مدن اسلامية " الابلة تاريخ وحضارة "
ــــــــــــــــــــــــــــ د.صالح العطوان الحيالي - العراق- 3-5-2020
الأبلة بضم الهمزة والباء واللام المشددة، مدينة بالعراق بينها وبين البصرة أربعة فراسخ ونهرها الذي يقع في شمالها، وجانبها الآخر على غربي دجلة، وهي صغيرة المقدار حسنة الديار واسعة العمارة متصلة البساتين عامرة بالناس المياسير وهم في خصب من العيش ورفاهية. وهي في قول محمد بن سيرين القرية التي مر بها موسى والخضر عليهما السلام فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، وكان عمر بن الخطاب قد أمر بحفر نهر الأبلة فلما ولي عثمان جعل نصف النفقة على أهل الخراج والنصف الثاني على بيت المال، فمدوه إلى البصرة. والأبلة مدينة قديمة عامرة فتحها عتبة بن غزوان في زمن عمر.
لعبت الأبلة دورا مهما في تاريخها منذ الفتح الإسلامي، وتمتعت الأبلة بدور الوسيط في التجارة البحرية مع الشرق، ويعد ميناؤها من أهم مراكز البحرية الإسلامية والملاحة البحرية العربية.
الأبلة .. الاسم وسبب التسمية
ـــــــــــــــــــــ قال ياقوت الحموي: "الأُبُلَّة بضم أوله وثانيه وتشديد اللام وفتحها"، وحكي عن الأصمعي في قولهم الأُبُلَّة: "كانت به امرأة خمَّارة تعرف بهوب في زمن النبط، فطلبها قوم من النبط، فقيل لهم: هوب لاكا، بتشديد اللام، أي ليست هوب ههنا، فجاءت الفرس فغلَّظت، فقالت: هو بلَّت، فعرَّبتها العرب فقالت: الأُبُلَّة". ومدينة الأبلة كانت تعرف قبل الإسلام باسم مدينة "أبولوكس" في الكتابات الأكادية . الأبلة .. الموقع الجغرافي والأهمية
ـــــــــــــــــــــــ تتمتع الأبلة بموقع جغرافي مهم، فهي تقع على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة، وهي أقدم من البصرة، لأن البصرة مصِّرت في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت الأبلة حينئذ مدينة فيها مسالح من قبل كسرى".
فهي تقع في نهاية الرأس الجنوبي لنهري دجلة والفرات، الصالحين للملاحة وعلى زاوية الخليج الذي يدخل بقناة اصطناعية إلى مدينة البصرة.
ويرجع تاريخ الأبلة الملاحي إلى عهد الإسكندر الأكبر، ووصفها البحار تيارجس في المائة الرابعة قبل الميلاد بأنها مستودع تجارات الخليج .
الفتح الإسلامي لمدينة الأبلة
ـــــــــــــــــــــــ كانت الأبلة من أهم المواضع المهمة في نظر الساسانيين من الوجهة الحربية، وكانت تعد عندهم "فرج أهل السند والهند"، وكان فرج الهند أعظم فروج فارس شأنًا، وصاحبه يحارب العرب في البر، والهند في البحر, وقد وضعوا هذا الفرج تحت إمرة قواد عسكريين.
ونظراً لأهمية الأبلة توجهت إليها أنظار العرب المسلمين منذ عهد مبكر، فالخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه كتب إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه بعد أن فرغ من حرب اليمامة سنة 12هـ/ 633م: " أن سِر إلى العراق حتى تدخلها، وابدأ بفرج الهند، وهي الأبلة".
إلاَّ أن الأبلة لم تفتح بصورة كاملة إلا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 14هـ/ 635م، وعلى يد عتبة بن غزوان رضي الله عنه، وذلك بعد أن مصَّر البصرة، فأقام عتبة بالبصرة شهرا، ثم خرج إليه أهل الأبلة، فقاتلهم عتبة بن غزوان وفتح الأبلة عنوة، قال الطبري: "وَجَعَلَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ السَّدُوسِيُّ وَقَسَامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ الْمَازِنِيُّ فِي عَشَرَةِ فَوَارِسَ، وَقَالَ لَهُمَا: كُونَا فِي ظَهْرِنَا، فَتَرُدَّا الْمُنْهَزِمَ، وَتَمْنَعَا مَنْ أَرَادَنَا مِنْ وَرَائِنَا ثُمَّ الْتَقَوْا فَمَا اقْتَتَلُوا مِقْدَارَ جَزْرِ جَزُورٍ وَقَسْمِهَا، حَتَّى مَنَحَهُمُ اللَّهُ أَكْتَافَهُمْ، وَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، حَتَّى دَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَرَجَعَ عُتْبَةُ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَأَقَامُوا أَيَّامًا، وَأَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَخَرَجُوا عَنِ الْمَدِينَةِ، وَحَمَلُوا مَا خَفَّ لَهُمْ، وَعَبَرُوا إِلَى الْفُرَاتِ، وَخَلُّوا الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَهَا الْمُسْلِمُونَ فَأَصَابُوا مَتَاعًا وَسِلاحًا وَسَبْيًا وَعينًا، فَاقْتَسَمُوا العين، فأصاب كل رجل منهم درهمان، وَوَلَّى عُتْبَةُ نَافِعَ بْنَ الْحَارِثِ أَقْبَاضَ الأُبُلَّةِ، فَأَخْرَجَ خُمُسَهُ، ثُمَّ قَسَّمَ الْبَاقِي بَيْنَ مَنْ أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ".
وأصاب المسلمون بالأبلة من الدراهم ستمائه دِرْهَمٍ، فَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ دِرْهَمَيْنِ، فَفَرَضَ عُمَرُ لأَصْحَابِ الدِّرْهَمَيْنِ مِمَّنْ أَخَذَهُمَا مِنْ فَتْحِ الأُبُلَّةِ في ألفين من العطاء، وكانوا ثلاثمائة رَجُلٍ، وَكَانَ فَتْحُ الأُبُلَّةِ فِي رَجَبٍ، أَوْ فِي شَعْبَانَ مِنْ سنة 14هـ.
وكتب عتبة إلى عمر يعلمه ذلك، يقول: "أما بعد، فإن الله، وله الحمد، فتح علينا الأبلة، وهي مرقى سفن البحر من عمان، والبحرين، وفارس، والهند، والصين، وأغنمنا ذهبهم وفضتهم وذراريهم، وأنا كاتب إليك ببيان ذلك إن شاء الله"، وأنفذ الكتاب مع نافع بن الحارث الثقفي .
خطبة عتبة بن غزوان السلمي بعد فتح الأبلة
حَمِدَ اللَّه وأثنى عليه وصلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: أمَّا بعد فإن الدنيا قد تولت حَذَّاءَ مُدْبرة، وقد آذنت أهلها بصَرْمٍ، وإنَّما بقي منها صُبَابةٌ كصُبابة الإناء يصطبُّها صاحبها، ألاَ وإنكم منقولون منها إلى دارٍ لا زوال لها، فانتقِلوا منها بخير ما يحضُركم؛ فإنه قد ذُكِرَ لنا أنّ الحَجَر يُلَقى في النار من شَفيرها فيهوي فيها سبعين عاماً لا يُدرِك لها قَعراً، واللَّه لتُملأَن، أفعجبتم ولقد ذُكر لنا أن بين مصراعين من الجنَّة مسيرةَ أربعين سنة، وليأتينَّ عليه وقت وهو كظيظٌ بالزِّحام، ولقد رأيتني سابعَ سبعة مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وما لنا طعامٌ إلا ورق الشجر حتى قَرِحت أشداقنا، فالتقطتُ بُردةً فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فائتزرتُ بنصفها وائترز بنصفها، فما أصبح اليومَ أحدٌ منا حيّاً إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار، وإني أعوذ باللَّه من أن أكون في نفسي عظيماً، وعند اللَّه صغيراً وإنها لم تكن نبوَّة قطُّ إلا تناسخَتْ حتى يكون عاقبتُها مُلْكاً، وسَتَخْبُرُون الأمراءَ بعدي فتعرفون وتُنكِرون،
الأهمية الاقتصادية لمدينة الأبلة
وكان من ضرورات فتح الأبلة هو إحكام الطوق الاقتصادي على الفرس والسيطرة على طريق الملاحة التجارية مع الهند والصين والعالم، وكانت الأبلة ميناء صالح لرسو السفن البحرية، فكانت السفن المتوسطة تستطيع الوصول إلى الأبلة. وكان لانتقال الخلافة العباسية إلى بغداد دور في زيادة الاهتمام بالأبلة، وبالتالي أثر في ازدهارها، فكان تجارها يربحون ربحًا عظيمًا، قال خالد بن صفوان: "ما رأينا أرضًا مثل الأبلة، أقرب مسافة، ولا أطيب نطفة، ولا أوطأ مطية، ولا أربح لتاجر، ولا أخفى لعابد". لذا زادت ملاحة الأبلة حتى وصفت بأنها "مرفأ سفن البحر من عمان والبحرين وفارس والهند والصين". وكان الاتصال المائي وقرب المسافة بين بغداد العاصمة وميناء الأبلة، فضلاً عن قابلية الميناء لاستيعاب السفن البحرية، ممَّا ساعد على وجود حلقات اتصال بحريّ بين الأبلة ومختلف المناطق. فكانت تسمى أرض الهند أو فرج الهند والسند . وكانت الأبلة تؤمن حاجات الدولة العربية الإسلامية المطلوبة من الهند مثل السيوف والساج والعطور وغيرها من الكماليات التي تطلبها الدولة، خاصة بغداد، وكانت تستورد من الهند مختلف المواد، خاصة الكمالية منها. أما عن اتجار الأبلة مع الصين، فكانت هي أيضاً مزدهرة ومتنوعة؛ "كانت مرفأ السفن من الصين" . وتوجد تجارة منتظمة بين الصين والعراق ترد إلى ميناء الأبلة مباشرة، حيث كانت تستورد مختلف السلع التي تحتاجها الدولة وتصدر السلع الفائضة إلى الصين. وكان للعراق نشاطٌ ملحوظٌ مع سواحل شرق إفريقيا.وتعد تجارة جلب العبيد رائجة في البصرة؛ كما تُعَدُّ تجارة الذهب من منطقة سفالة بأرض الزنج أهم الصادرات من شرق إفريقيا إلى العراق عن طريق الأبلة. وفضلاً عن ذلك، كانت للأبلة أهمية في التجارة الداخلية، فكانت تصدر إلى العراق وأنحاء الجزيرة العربية وكذلك اليمن، ما تحتاجه من السلع والبضائع الوافدة لها من الخارج .
قالوا في الابلة
قال العمري :فأما الأبلة فمدينة قديمة دثرت الآن، وبقى متنزهها على ما كان، والأبلة نهر مشتق من دجلة، مرفوع إلى البصرة يسقى بساتينها، والبصرة أشهر من أن توصف حدائقها الملتفة، وجداولها المحتفة، ما تفتر به رياضها من بدائع الزهرات، وتفردت به حدائقها من يانع الثمرات.
قال الجاحظ، و نهر الأبلة سعة زيادة مقابلة نهر معقل، وبينهما البساتين والقصور العالية والمباني البديعة، يتسلسل مجراه، وتتهلل بكرة وعشاياة، وتظله الشجر، وتغنى به زمر الطير، وهي من الحسن حيث يشهد، العيان، ويظهر فنون الأفتان، والأبلة هي المدينة القديمة، وإنما اختطت البصرة، عوضها، وفيه يقول القاضي التنوخي.
أحببت إلي بنهر معقل الذي فيه التسلى عن همومي معقل
عذب إذا ما حل فيه ناهل فكأنه في ريق حب ينهل
متسلسل و كأنه لصفائه دمع نجدى كاعب يتسلل
و كأنه ياقوتة أو أعين زرق تلام فينها و تفصل
عذب فما تدري أماء ماءوها عند المذاقة أم حيق سلسل
و له بمد بعد جزر ذاهب جيشان يذهب ذا وهذا يقبل
و إذا نظرت إلى الأبلة خلتها من جنة الفردوس حين تخيل
كم منزل من نهرها إلى السرو رفإنه في غيرها لا ينزل
و كأنما تلك القصور عرائس والروض حلي و هي فيه ترفل
غنت قيان الطير في أرجائها هزجا يقل لها الثقيل الأول
و تعانقت تلك الغصون فاذكرت يوم الوداع و غيرهم يترحل
ربع الربيع بها فحاكت كفه حللا بها عقد الهموم تحلل
فمديح و موشح و مدثر و معمد و محبر و مهلل
فتخال ذاعينا و ذا خدا و ذاثغرا يعضض مرة و يقبل
قال ابن بطوطه:وكانت الأبلة مدينة عظيمة يقصدها تجار الهند وفارس فخربت وهي الآن قرية بها آثار قصور وغيرها دالة على عظمها، ثم ركبنا في الخارج من بحر فارس في مركب صغير لرجل من أهل الأبلة يسمى بمغامس، وذلك فيما بعد المغرب فصحبنا إلى عبادان.
قال أبو الفداء :نهر الأبلة ومخرجه من دجلة من تحت نهر معقل بأربعة فراسخ و الأبلة بليدة عند فوهته وذلك بعد أن يتجاوز دجلة سمت البصرة ويسير نهر الأبلة إلى جهة البصرة يتفرع منه أنهار تسقي ما على جانبيه من البساتين الملتفة التي هي إحدى متنزهات الدنيا ويجري نهر الأبلة مغربا، ثم يعطف إلى جهة الشمال كالقوس حتى يلتقي مع نهر معقل عند البصرة فإذا مد البحر جرى نهر الأبلة في نهر معقل ورجع الماء قهقرى حتى ينتهي المد وتأتي السفن من بحر الهند وتصعد من عبادان في دجلة إلى الأبلة وتصعد في نهر الأبلة إلى البصرة، ثم تسير في نهر معقل إلى دجلة وإذا جزر البحر رجع الماء وجرى نهر معقل في نهر الأبلة وهما على ذلك دائما ونهر معقل مع نهر الأبلة مثل نصف دائرة ودجلة بمنزلة الوتر أو القطر وما تحيط به هذه الأنهر تسمى الجزیره العظمى وجميعها بساتين ومزدرع.
الأبلة: قال ابن حوقل: و الأبلة مدينة صغيرة خصبة عامرة حد لها نهر الأبلة إلى البصرة وحد لها دجلة التي يتشعب منها هذا النهر عاطفا عليها، وينتهي عمودها إلى البحر و عبادان، وطول نهرها أربعة فراسخ بين البصرة والأبلة، وعلى حافتي هذا النهر قصور وبساتين متصلة كأنها بستان واحد قد مدت على خيط واحد، وكأن نخيلها قد مدت على خيط واحد، وجميع بساتين تلك الناحية مخترقة بعضها إلى بعض حتى إذا جاءهم مد البحر تراجع الماء في كل نهر حتى يدخل نخيلهم وحيطانهم من غير تكلف فإذا جزر الماء انحطت؛ حتى تخلو البساتين والنخيل
المصادر
1-ياقوت الحموي: معجم البلدان
2- جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام
3- عادل محيي الدين الآلوسي: تجارة العراق البحرية مع أندونيسيا حتى أواخر القرن السابع الهجري/ أواخر القرن الثالث عشر الميلادي
4- البلاذري: فتوح البلدان
5- أبو حنيفة الدينوري: الأخبار الطوال .
6- الطبري: تاريخ الأمم والملوك .
7- خالد إسماعيل الحمداني: البحرية الإسلامية في الخليج العربي والمحيط الهندي خلال العصور الإسلامية .
8-الجاحظ: البيان والتبيين
9-- أمل عبد الحسين عباس السعدي: الأبلة في العصر الإسلامي
10- ابن الأثير: الكامل في التاريخ،
11- العمري، احمد بن یحیی ، مسالك الابصار فی ممالك الامصار
12-بن بطوطه، رحله ابن بطوطه
13- أبو الفداء، إسماعيل بن علی، تقویم البلدان
14- البكري الأندلسي ، معجم ما استُعجِم من أسماء البلاد والمواضع
ــــــــــــــــــــــــــــ د.صالح العطوان الحيالي - العراق- 3-5-2020
الأبلة بضم الهمزة والباء واللام المشددة، مدينة بالعراق بينها وبين البصرة أربعة فراسخ ونهرها الذي يقع في شمالها، وجانبها الآخر على غربي دجلة، وهي صغيرة المقدار حسنة الديار واسعة العمارة متصلة البساتين عامرة بالناس المياسير وهم في خصب من العيش ورفاهية. وهي في قول محمد بن سيرين القرية التي مر بها موسى والخضر عليهما السلام فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، وكان عمر بن الخطاب قد أمر بحفر نهر الأبلة فلما ولي عثمان جعل نصف النفقة على أهل الخراج والنصف الثاني على بيت المال، فمدوه إلى البصرة. والأبلة مدينة قديمة عامرة فتحها عتبة بن غزوان في زمن عمر.
لعبت الأبلة دورا مهما في تاريخها منذ الفتح الإسلامي، وتمتعت الأبلة بدور الوسيط في التجارة البحرية مع الشرق، ويعد ميناؤها من أهم مراكز البحرية الإسلامية والملاحة البحرية العربية.
الأبلة .. الاسم وسبب التسمية
ـــــــــــــــــــــ قال ياقوت الحموي: "الأُبُلَّة بضم أوله وثانيه وتشديد اللام وفتحها"، وحكي عن الأصمعي في قولهم الأُبُلَّة: "كانت به امرأة خمَّارة تعرف بهوب في زمن النبط، فطلبها قوم من النبط، فقيل لهم: هوب لاكا، بتشديد اللام، أي ليست هوب ههنا، فجاءت الفرس فغلَّظت، فقالت: هو بلَّت، فعرَّبتها العرب فقالت: الأُبُلَّة". ومدينة الأبلة كانت تعرف قبل الإسلام باسم مدينة "أبولوكس" في الكتابات الأكادية . الأبلة .. الموقع الجغرافي والأهمية
ـــــــــــــــــــــــ تتمتع الأبلة بموقع جغرافي مهم، فهي تقع على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة، وهي أقدم من البصرة، لأن البصرة مصِّرت في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت الأبلة حينئذ مدينة فيها مسالح من قبل كسرى".
فهي تقع في نهاية الرأس الجنوبي لنهري دجلة والفرات، الصالحين للملاحة وعلى زاوية الخليج الذي يدخل بقناة اصطناعية إلى مدينة البصرة.
ويرجع تاريخ الأبلة الملاحي إلى عهد الإسكندر الأكبر، ووصفها البحار تيارجس في المائة الرابعة قبل الميلاد بأنها مستودع تجارات الخليج .
الفتح الإسلامي لمدينة الأبلة
ـــــــــــــــــــــــ كانت الأبلة من أهم المواضع المهمة في نظر الساسانيين من الوجهة الحربية، وكانت تعد عندهم "فرج أهل السند والهند"، وكان فرج الهند أعظم فروج فارس شأنًا، وصاحبه يحارب العرب في البر، والهند في البحر, وقد وضعوا هذا الفرج تحت إمرة قواد عسكريين.
ونظراً لأهمية الأبلة توجهت إليها أنظار العرب المسلمين منذ عهد مبكر، فالخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه كتب إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه بعد أن فرغ من حرب اليمامة سنة 12هـ/ 633م: " أن سِر إلى العراق حتى تدخلها، وابدأ بفرج الهند، وهي الأبلة".
إلاَّ أن الأبلة لم تفتح بصورة كاملة إلا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 14هـ/ 635م، وعلى يد عتبة بن غزوان رضي الله عنه، وذلك بعد أن مصَّر البصرة، فأقام عتبة بالبصرة شهرا، ثم خرج إليه أهل الأبلة، فقاتلهم عتبة بن غزوان وفتح الأبلة عنوة، قال الطبري: "وَجَعَلَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ السَّدُوسِيُّ وَقَسَامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ الْمَازِنِيُّ فِي عَشَرَةِ فَوَارِسَ، وَقَالَ لَهُمَا: كُونَا فِي ظَهْرِنَا، فَتَرُدَّا الْمُنْهَزِمَ، وَتَمْنَعَا مَنْ أَرَادَنَا مِنْ وَرَائِنَا ثُمَّ الْتَقَوْا فَمَا اقْتَتَلُوا مِقْدَارَ جَزْرِ جَزُورٍ وَقَسْمِهَا، حَتَّى مَنَحَهُمُ اللَّهُ أَكْتَافَهُمْ، وَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، حَتَّى دَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَرَجَعَ عُتْبَةُ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَأَقَامُوا أَيَّامًا، وَأَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَخَرَجُوا عَنِ الْمَدِينَةِ، وَحَمَلُوا مَا خَفَّ لَهُمْ، وَعَبَرُوا إِلَى الْفُرَاتِ، وَخَلُّوا الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَهَا الْمُسْلِمُونَ فَأَصَابُوا مَتَاعًا وَسِلاحًا وَسَبْيًا وَعينًا، فَاقْتَسَمُوا العين، فأصاب كل رجل منهم درهمان، وَوَلَّى عُتْبَةُ نَافِعَ بْنَ الْحَارِثِ أَقْبَاضَ الأُبُلَّةِ، فَأَخْرَجَ خُمُسَهُ، ثُمَّ قَسَّمَ الْبَاقِي بَيْنَ مَنْ أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ".
وأصاب المسلمون بالأبلة من الدراهم ستمائه دِرْهَمٍ، فَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ دِرْهَمَيْنِ، فَفَرَضَ عُمَرُ لأَصْحَابِ الدِّرْهَمَيْنِ مِمَّنْ أَخَذَهُمَا مِنْ فَتْحِ الأُبُلَّةِ في ألفين من العطاء، وكانوا ثلاثمائة رَجُلٍ، وَكَانَ فَتْحُ الأُبُلَّةِ فِي رَجَبٍ، أَوْ فِي شَعْبَانَ مِنْ سنة 14هـ.
وكتب عتبة إلى عمر يعلمه ذلك، يقول: "أما بعد، فإن الله، وله الحمد، فتح علينا الأبلة، وهي مرقى سفن البحر من عمان، والبحرين، وفارس، والهند، والصين، وأغنمنا ذهبهم وفضتهم وذراريهم، وأنا كاتب إليك ببيان ذلك إن شاء الله"، وأنفذ الكتاب مع نافع بن الحارث الثقفي .
خطبة عتبة بن غزوان السلمي بعد فتح الأبلة
حَمِدَ اللَّه وأثنى عليه وصلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: أمَّا بعد فإن الدنيا قد تولت حَذَّاءَ مُدْبرة، وقد آذنت أهلها بصَرْمٍ، وإنَّما بقي منها صُبَابةٌ كصُبابة الإناء يصطبُّها صاحبها، ألاَ وإنكم منقولون منها إلى دارٍ لا زوال لها، فانتقِلوا منها بخير ما يحضُركم؛ فإنه قد ذُكِرَ لنا أنّ الحَجَر يُلَقى في النار من شَفيرها فيهوي فيها سبعين عاماً لا يُدرِك لها قَعراً، واللَّه لتُملأَن، أفعجبتم ولقد ذُكر لنا أن بين مصراعين من الجنَّة مسيرةَ أربعين سنة، وليأتينَّ عليه وقت وهو كظيظٌ بالزِّحام، ولقد رأيتني سابعَ سبعة مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وما لنا طعامٌ إلا ورق الشجر حتى قَرِحت أشداقنا، فالتقطتُ بُردةً فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فائتزرتُ بنصفها وائترز بنصفها، فما أصبح اليومَ أحدٌ منا حيّاً إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار، وإني أعوذ باللَّه من أن أكون في نفسي عظيماً، وعند اللَّه صغيراً وإنها لم تكن نبوَّة قطُّ إلا تناسخَتْ حتى يكون عاقبتُها مُلْكاً، وسَتَخْبُرُون الأمراءَ بعدي فتعرفون وتُنكِرون،
الأهمية الاقتصادية لمدينة الأبلة
وكان من ضرورات فتح الأبلة هو إحكام الطوق الاقتصادي على الفرس والسيطرة على طريق الملاحة التجارية مع الهند والصين والعالم، وكانت الأبلة ميناء صالح لرسو السفن البحرية، فكانت السفن المتوسطة تستطيع الوصول إلى الأبلة. وكان لانتقال الخلافة العباسية إلى بغداد دور في زيادة الاهتمام بالأبلة، وبالتالي أثر في ازدهارها، فكان تجارها يربحون ربحًا عظيمًا، قال خالد بن صفوان: "ما رأينا أرضًا مثل الأبلة، أقرب مسافة، ولا أطيب نطفة، ولا أوطأ مطية، ولا أربح لتاجر، ولا أخفى لعابد". لذا زادت ملاحة الأبلة حتى وصفت بأنها "مرفأ سفن البحر من عمان والبحرين وفارس والهند والصين". وكان الاتصال المائي وقرب المسافة بين بغداد العاصمة وميناء الأبلة، فضلاً عن قابلية الميناء لاستيعاب السفن البحرية، ممَّا ساعد على وجود حلقات اتصال بحريّ بين الأبلة ومختلف المناطق. فكانت تسمى أرض الهند أو فرج الهند والسند . وكانت الأبلة تؤمن حاجات الدولة العربية الإسلامية المطلوبة من الهند مثل السيوف والساج والعطور وغيرها من الكماليات التي تطلبها الدولة، خاصة بغداد، وكانت تستورد من الهند مختلف المواد، خاصة الكمالية منها. أما عن اتجار الأبلة مع الصين، فكانت هي أيضاً مزدهرة ومتنوعة؛ "كانت مرفأ السفن من الصين" . وتوجد تجارة منتظمة بين الصين والعراق ترد إلى ميناء الأبلة مباشرة، حيث كانت تستورد مختلف السلع التي تحتاجها الدولة وتصدر السلع الفائضة إلى الصين. وكان للعراق نشاطٌ ملحوظٌ مع سواحل شرق إفريقيا.وتعد تجارة جلب العبيد رائجة في البصرة؛ كما تُعَدُّ تجارة الذهب من منطقة سفالة بأرض الزنج أهم الصادرات من شرق إفريقيا إلى العراق عن طريق الأبلة. وفضلاً عن ذلك، كانت للأبلة أهمية في التجارة الداخلية، فكانت تصدر إلى العراق وأنحاء الجزيرة العربية وكذلك اليمن، ما تحتاجه من السلع والبضائع الوافدة لها من الخارج .
قالوا في الابلة
قال العمري :فأما الأبلة فمدينة قديمة دثرت الآن، وبقى متنزهها على ما كان، والأبلة نهر مشتق من دجلة، مرفوع إلى البصرة يسقى بساتينها، والبصرة أشهر من أن توصف حدائقها الملتفة، وجداولها المحتفة، ما تفتر به رياضها من بدائع الزهرات، وتفردت به حدائقها من يانع الثمرات.
قال الجاحظ، و نهر الأبلة سعة زيادة مقابلة نهر معقل، وبينهما البساتين والقصور العالية والمباني البديعة، يتسلسل مجراه، وتتهلل بكرة وعشاياة، وتظله الشجر، وتغنى به زمر الطير، وهي من الحسن حيث يشهد، العيان، ويظهر فنون الأفتان، والأبلة هي المدينة القديمة، وإنما اختطت البصرة، عوضها، وفيه يقول القاضي التنوخي.
أحببت إلي بنهر معقل الذي فيه التسلى عن همومي معقل
عذب إذا ما حل فيه ناهل فكأنه في ريق حب ينهل
متسلسل و كأنه لصفائه دمع نجدى كاعب يتسلل
و كأنه ياقوتة أو أعين زرق تلام فينها و تفصل
عذب فما تدري أماء ماءوها عند المذاقة أم حيق سلسل
و له بمد بعد جزر ذاهب جيشان يذهب ذا وهذا يقبل
و إذا نظرت إلى الأبلة خلتها من جنة الفردوس حين تخيل
كم منزل من نهرها إلى السرو رفإنه في غيرها لا ينزل
و كأنما تلك القصور عرائس والروض حلي و هي فيه ترفل
غنت قيان الطير في أرجائها هزجا يقل لها الثقيل الأول
و تعانقت تلك الغصون فاذكرت يوم الوداع و غيرهم يترحل
ربع الربيع بها فحاكت كفه حللا بها عقد الهموم تحلل
فمديح و موشح و مدثر و معمد و محبر و مهلل
فتخال ذاعينا و ذا خدا و ذاثغرا يعضض مرة و يقبل
قال ابن بطوطه:وكانت الأبلة مدينة عظيمة يقصدها تجار الهند وفارس فخربت وهي الآن قرية بها آثار قصور وغيرها دالة على عظمها، ثم ركبنا في الخارج من بحر فارس في مركب صغير لرجل من أهل الأبلة يسمى بمغامس، وذلك فيما بعد المغرب فصحبنا إلى عبادان.
قال أبو الفداء :نهر الأبلة ومخرجه من دجلة من تحت نهر معقل بأربعة فراسخ و الأبلة بليدة عند فوهته وذلك بعد أن يتجاوز دجلة سمت البصرة ويسير نهر الأبلة إلى جهة البصرة يتفرع منه أنهار تسقي ما على جانبيه من البساتين الملتفة التي هي إحدى متنزهات الدنيا ويجري نهر الأبلة مغربا، ثم يعطف إلى جهة الشمال كالقوس حتى يلتقي مع نهر معقل عند البصرة فإذا مد البحر جرى نهر الأبلة في نهر معقل ورجع الماء قهقرى حتى ينتهي المد وتأتي السفن من بحر الهند وتصعد من عبادان في دجلة إلى الأبلة وتصعد في نهر الأبلة إلى البصرة، ثم تسير في نهر معقل إلى دجلة وإذا جزر البحر رجع الماء وجرى نهر معقل في نهر الأبلة وهما على ذلك دائما ونهر معقل مع نهر الأبلة مثل نصف دائرة ودجلة بمنزلة الوتر أو القطر وما تحيط به هذه الأنهر تسمى الجزیره العظمى وجميعها بساتين ومزدرع.
الأبلة: قال ابن حوقل: و الأبلة مدينة صغيرة خصبة عامرة حد لها نهر الأبلة إلى البصرة وحد لها دجلة التي يتشعب منها هذا النهر عاطفا عليها، وينتهي عمودها إلى البحر و عبادان، وطول نهرها أربعة فراسخ بين البصرة والأبلة، وعلى حافتي هذا النهر قصور وبساتين متصلة كأنها بستان واحد قد مدت على خيط واحد، وكأن نخيلها قد مدت على خيط واحد، وجميع بساتين تلك الناحية مخترقة بعضها إلى بعض حتى إذا جاءهم مد البحر تراجع الماء في كل نهر حتى يدخل نخيلهم وحيطانهم من غير تكلف فإذا جزر الماء انحطت؛ حتى تخلو البساتين والنخيل
المصادر
1-ياقوت الحموي: معجم البلدان
2- جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام
3- عادل محيي الدين الآلوسي: تجارة العراق البحرية مع أندونيسيا حتى أواخر القرن السابع الهجري/ أواخر القرن الثالث عشر الميلادي
4- البلاذري: فتوح البلدان
5- أبو حنيفة الدينوري: الأخبار الطوال .
6- الطبري: تاريخ الأمم والملوك .
7- خالد إسماعيل الحمداني: البحرية الإسلامية في الخليج العربي والمحيط الهندي خلال العصور الإسلامية .
8-الجاحظ: البيان والتبيين
9-- أمل عبد الحسين عباس السعدي: الأبلة في العصر الإسلامي
10- ابن الأثير: الكامل في التاريخ،
11- العمري، احمد بن یحیی ، مسالك الابصار فی ممالك الامصار
12-بن بطوطه، رحله ابن بطوطه
13- أبو الفداء، إسماعيل بن علی، تقویم البلدان
14- البكري الأندلسي ، معجم ما استُعجِم من أسماء البلاد والمواضع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق