فاضل ثامر مع Wardia Shamass.
اصدقائي الاعزاء
اضع بين أيديكم دراستي عن رواية انعام كججي (النببذة) ،
استكمالاً واشباعاً لرغبة القراء الخاصة بالفقرات التي اقتبستها من الرواية في موضوعي عن الحراك الطلابي بين وثبة ١٩٤٨ و انتفاضة ١٩٥٢.
"النبيذة " : الرواية بوصفها ضفيرة سردية ثلاثية
فاضل ثامر
في رواية " انعام كجه جي الجديدة " النبيذة " الصادرة عن دار الجديد في بيروت عام ٢٠١٧ تتفوق الروائية على ذاتها، وهي تنسج بعناية فصول روايتها هذه .
عوالم انعام كجه جي الروائية ،وبشكل خاص في روايتيها السابقتين " الحفيدة الامريكية " الصادرة عام ٢٠٠٨ و " طشاري " الصادرة عام ٢٠١٣ تركز على المرأة، وتحديداً المرأة العراقية التي تنتمي الى شريحة المثقفين، من افراد الطبقة الوسطى. وبعض شخصياتها قد تمتلك ملامح اثنية معينة ، تمنح رواياتها خصوصية إضافية . ويمكن ان نقول ان هذا العالم هو عالم المؤلفة ذاتها، ضمن محيطها الاجتماعي والثقافي، مكانياً وزمنياً. وقد تكون هذه الشخصية صحفيةً او كاتبةً او مترجمةً وقد تكون أمّاً او أختاً او حفيدةً، وربما كانت الروائية تسبغ الكثير من ملامحها وتجاربها ومعاناتها على بطلاتها ، ولكن رواياتها هذه لم تتحول الى روايات سيرة ذاتية اوتو بيوغرافية، بل ظلت تمتلك قوام الرواية البوليفونية، متعددة الأصوات والشخصيات، ولم تسقط في عملية " تذويت " متطرفة، وهي تسبغ الكثير من احساسيها وتطلعاتها على عوالم شخصياتها النسوية.
ويمكن القول ان الروائية انعام كجه جي ، تلتقي مع اغلب الروائيات والقاصات العربيات عموماً ، والعراقيات بشكل خاص في الغوص في العالم السري الداخلي للمرأة بكل ما فيه من اشواق وعذابات ومكابدات .
وهذا، في نظري ، امرٌ طبيعي ، فالكتابة ، بالنسبة للمرأة العربية هي عملية تحٍد ومواجهة ومحاولة لتاكيد الهوية النسوية ، وهوية الجندر وتحديداً في مواجهة الاجتياح الذكوري والبترياركي لحياتها وذاكرتها وسلوكها.
وروايتها هذه ليست إستثناءً،فهي تدور حول عوالم ثلاث شخصيات روائية: إمرأتان ورجل واحد، ويهيمن فيها صوت السرد الانثوي على فضاء الرواية ، ويخفت الى صوت الشخصية الذكورية الى حد بعيد ، لأنها تظل في الغالب ، غائبة ، او مشاراً اليها ، ودونما حضور مجسد ،الا ما ندر. اذ تتقاسم بطلتا الرواية تاج الملوك عبد الحميد ، وهي صحفية مخضرمة، بدأت مشوارها الصحفي في بغداد في اربعينيات القرن الماضي، من خلال مجلتها " الرحاب " ، ووديان الملاح ، عازفة الكمان في الفرقة الموسيقية العراقية التي اضطرت الى الهرب من بطش الأستاذ " واستهتاره بعد ان انتهك كرامتها وافقدها سمعها برعونته. وباريس هي المكان الذي عاشت فيه الروائية مغتربة ،والذي سبق لها وان وظفته ببراعة في روايتها " طشاري " ،حيث تحصل بطلة الرواية على لفتة إنسانية من قبل الحكومة الفرنسية، ومن السيد ساركوزي شخصيا باستضافة عدد كبير من المسيحيين الذين تعرضوا الى هجمات الإرهابيين والطائفيين آنذاك . وهذا الامر ينطبق أيضاً، الى حد كبير، على كيفية وصول وديان الى باريس بمساعدة السفارة الفرنسية، التي خصصت منحة لاستضافة عدد من عازفي وعازفات الفرقة السمفونية العراقية في باريس، لإكمال دراساتهم الفنية وضمان سلامتهم في ظروف الانفلات الأمني آنذاك .
اما الشخصية الذكورية الوحيدة، فهي شخصية منصور الباوي ، وهو اعلامي ومذيع فلسطيني درس بعض الوقت في بغداد ، وجمعته المصادفات للالتقاء بتاج الملوك في مدينة كراتشي وتحديداً في اذاعتها الناطقة بالعربية بعد استقلالها من الهند عام ١٩٤٨ . لكن هذا الصوت الذكوري ظل خافتاً ومحدوداً، ولم يمنح الفسحة السردية الكافية،وظل السرد النسوي غالباً هو الذي يستحضر شخصيته.
لقد كان الفضاء الروائي الذي بدأت تتحرك فيه الرواية وتتنفس هو الفضاء السياسي والاجتماعي العراقي، بدءاً منذ منتصف اربعينيات القرن الماضي، وانتهاءً بفترة الاحتلال وصعود الصراع الطائفي ونشاط المنظمات الإرهابية، مثل القاعدة وداعش وايتام النظام الدكتاتوري السابق. وقد كشفت المؤلفة عن وعي عميق بالمشهد السياسي والاجتماعي والحضاري للعراق طيلة الفترة، وقدمت كشفاً درامياً لحركة الاحداث السياسية، قل نظيره في الرواية العراقية.
وبصراحة لم اجد من بزّها في تصوير أجواء وثبة كانون عام ١٩٤٨، التي شاركت فيها بطلتها الرئيسة تاجي عبد المجيد، عندما كانت تمارس الصحافة آنذاك. كما نجحت الروائية في ادانة مظاهر العنف والبطش والتقتيل التي تعرض لها الشعب العراقي في ظل الحكم الملكي، وفي ظل حكم البعث في العراق، من خلال انتقاء انموذج واحد يتمثل في " "الأستاذ" ،الابن المدلل للدكتاتور وممارساته وجرائمه المنافية لأبسط قواعد الانسانية والتي كانت وديان الملاح احدى ضحاياه. ويخيل لي ان الحب كان القوة الخفية الكبرى التي تحرك الاحداث، والناظم الرئيسي للإيقاع الروائي ولحركة الشخصيات الروائية الثلاث.
قصة الحب التي عاشتها تاج الملوك بطلة الرواية الرئيسة قصة غريبة ومعقدة الى حد كبير. فمع انها امرأة متحررة ومتمردة على الأعراف والقيم الاجتماعية التقليدية ، وعاشت تجارب مع رجال عديدين ، الا ان الشرارة التي احست بها وهي تمس ذراع منصور الباوي ، المذيع والإعلامي الفلسطيني، الذي عملت معه سوية في القسم العربي لإذاعة كراتشي العربية منذ العام ١٩٤٨ جعلتها تدخل في تجربة شبه عذرية من حب فيه الكثير من التسامي والقداسة والصوفية منعتها من البوح بحبها له ولم تكتشف خطأها الا وهي تستقل الباخرة مبتعدة عنه وهو يلتقط لها صورتها بكاميرته الكوداك، وهي تهز له يدها مودعةً، وداعها الأخير له ، ربما تعبيراً عن وداع أزلي . ويظل هذا الحب مهيمناً على روحها، على الرغم من مغامراتها الجنسية المتعددة وزواجها مرتين. وظل حلم اللقاء يشدهما من بعيد. وعندما رتبت وديان الملاح، صديقتها، لقاءً لهما في باريس كانت قد شاخت ولا تريد ان تشوه صورتها في عيني حبيبها ، وبشكل خاص في لحظة فراقهما على شاطئ البحر قبل ما يزيد على الستة عقود. وظل هذا الحب ، تنويعاً صوفياً وعذرياً على تجربة الحب بين عاشقين مسنين التي وجدنا لها تجسيداً رائعاً في رواية " الحب في زمن الكوليرا " لماركيز ، ولاحقاً في رواية الراحل سعد محمد رحيم ،الموسومة " القطار الى منزل هانا " الصادرة في بغداد عام ٢٠١٨ .
اما وديان الملاح، الفنانة المرهفة الحس، فقد ظل حبها لحبيبها وخطيبها السابق يوسف مالكاً عليها مشاعرها، على الرغم من خذلانه لها وتخليه عنها، دونما مبرر مقنع، بعد ان عاشا، معا ، تجربة حب متبادلة ، لكنهما وقعا في مصيدة " الأستاذ " المستبد ورعونته . اذ تحول يوسف الي واحد من " شلة الأستاذ " التي تأتمر بأمره وتنفذ رغباته، بينما وقعت هي الأخرى ضحية مباشرة لنزق " الأستاذ" الذي تسبب بفقدان سمعها، بعد ان عرضها الى تجربة قاسية عن طريق ضخ أصوات موسيقية صاخبة في اذنيها أدت الى اصابتها بالصمم.
ويمكن القول ان البطلتين قد عاشتا قصة ناقصة ومقموعة.
ومن جهة اخرى ، عاش منصور الباوي هو الاخر قصة حب شبه صوفية من خلال علاقته بالصحفية تاج الملوك ، التي لم يجرؤ فيها على البوح لها بحبه في الوقت المناسب ،مما جعل هذا الحب رومانتيكياً وورقياً ، مع كل المحاولات التي بذلها ، في مراحل مختلفة من حياته لتحقيق لقاء حقيقي مع حبيبته . وكان الباوي على حق عندما تحدث عن حبه لتاجي " مراهقان. أشيبان يجربان للحاق بقطار في محطة خلبٍية " (ص ٢٧٣) ربما في إشارة خفية الى رواية " ماركيز " الحب في زمن الكوليرا ". وهكذا تعيش شخصيات الرواية الثلاث قصص حب مختلفة ومؤجلة او مقموعة بفعل عوالم موضوعية وذاتية معقدة، جعلت من هذه الشخصيات ضحية للعبة عوامل وظروف أكبر منها .
فنياً ، تعتمد الرواية على السرد المبأر الذي تقدمه الشخصيات الثلاث ، مع استثناءات محدودة يتدخل فيها الراوي العليم في إدارة السرد ، وبذا فهي رواية بوليفونية متعددة الأصوات تكشف عن الرؤى المتباينة لابطالها، كما تلتقط أصوات العصر الصاخبة ، وخاصة عندما تتدفق اصوات المحتجين والمنتفضين في سنوات الربيع العربي ، او معاهدة بورتسموث في وثبة عام ١٩٤٨.
وعملياً تبدأ الرواية من النهاية حيث نجد عملية سرد ارتدادي الى الماضي من خلال استرجاعات (فلاش باك ) تقوم بها البطلة الرئيسة تاج الملوك ، من خلال تنشيط فعل الذاكرة لديها لاستعادة صور الماضي الهاربة على امتداد زمني يزيد على الستين عاماً ، تبدأ منذ منتصف الاربعينيات من القرن الماضي وتتواصل حتى نهاية العقد الاول من القرن الواحد والعشرين.
اذ تستهل الروائية روايتها ومنذ الصفحة الاولى باستغوار أعماق بطلتها تاج الملوك من خلال مونولوج داخلي عبر توظيف ضمير الغيبة " هي " الذي هو صورة مموهة عن " انا المتكلم ":
" هي لحظة من الحياة لم تجربها من قبل، ولا تظن انها ستعرفها فيما بعد.
كانت جالسة في القطار، قرب النافذة، ثم رات ماضيها يأتي ويرمي نفسه في المقعد المقابل " (ص ٧)
اذ يمكن للقارئ ان يعيد قراءة هذا النص عبر توظيف ضمير المتكلم:" هي لحظة من الحياة لم اجربها من قبل ولا اظن اني سأعرفها فيما بعد "
لا شك ان توظيف ضمير الغائب هنا يمنح مسافة او مباعدة بين الشخصية والسرد، ويجنبها المظهر الاوتو- سردي الذاتي، ويجعلها تتدرج ضمن سياق سردي موضوعي. ونكتشف ان بطلة الراوية التي تسرد احداث حياتها تواجه الماضي عبر عملية تشخيص وأنسنه عندما " يأتي ويرمي نفسه في المقعد المقابل " وهي إشارة مهمة الى ان الماضي سيكون حاضراً ومؤثراً من خلال توظيف أنماط فعل الذاكرة البعيدة والذاكرة القريبة، لترميم الفجوات الزمنية والمكانية في المشهد الروائي وفي حركة الاحداث. ونلاحظ ان المؤلفة لا تعتمد في ذلك على التسلسل الزمني الخطي لاستدراج الاحداث، بل هي تشظيها، وتستدرجها بين آونة وأخرى، في هذا المشهد او ذاك، لضمان استمرار عملية شد القراء وعدم الكشف عن اسرار لعبتها السردية مرة واحدة.وربما كانت صديقتها الصغيرة وديان على حق، عندما وقفت حائرة امام فهم مزاج صديقتها تاجي، او مدام شامبيون، فهي مثل " عجوز تقفز بين الازمان، مثل لاعبة الحبال في السيرك ... ترابط عند الصبا وتنكر شيخوختها، لعلها اعراض الزهايمر. " (ص ١٩)
وفي فصول الرواية الثلاثة والأربعين، نجد تناوباً بين سرد تاج الملك وسرد صديقتها وديان ، وبدرجة اقل في تداخل مع السرد الذكوري الوحيد لناصر الباوي المتمثل في سرد عبر ضمير الغائب هو او هي ، واحياناً عبر ضمير المتكلم "انا ". ومن خلال تنشيط فعل الذاكرة ،تبدأ صورة البطلتين تاجي ووديان بالتكامل تدريجياً . وعندما تصل وديان الى الغرفة التي ترقد فيها تاج الملوك او مدام شامبيون ينتقل السرد في الفصل الثاني الى وجهة نظر وديان، من خلال ضمير الغيبة أيضاً الذي هو صورة مموهة لانا المتكلم واداة لتنظيم المونولوج الداخلي :
" تأتي وديان ماشية في الممر الطويل على رؤوس اصابعها، لا تود اقلاق راحة الراقدين في الغرف ... تدخل وتقبل الراس الاشيب بفتور وتجلس على طرف السرير." (ص ١٧)
لقد ظلت تاج الملوك، تشحذ ذاكرتها او كما جاء في مونولوغها الداخلي " تحرك الملعقة في وعاء عقلها لكي لا تركد الذكريات فيه وتتكلس. " (ص ١٢).
وعلى الرغم من مركزية سرد تاج الملوك، الا ان وديان، في فصول الرواية الأخيرة تلتقط خيوط السرد المنفلتة لتعيد تنظيمها وتوزيعها، كاشفة عن دورها بوصفها من كتب مخطوطة هذه الرواية، اعتماداً على ما دونته عن حياة تاج الملوك وما قراته في مذكراتها ورسائلها التي خزنتها في عدد من الصناديق والكراتين، التي وضعتها تاج الملوك تحت سريرها، فضلاً عن اطلاعها على تفاصيل دقيقة رواها لها ناصر الباوي عن علاقته بتاج الملوك. اذ تكشف وديان في الفصل الثالث والأربعين ، وهو الفصل الأخير من الرواية عن سر اللعبة السردية بكاملها عندما نكتشف من خلال منحى ميتا سردي واضح انها هي التي تحرك خيوط السرد كلها وانها هي التي " كتبت مشهد الختام " (ص ٣٢٢) وانها رفضت الانصياع الى تدخل الراوي العليم ونصائحه لها الذي حاول عبثا ان ينهي حياة تاج الملوك او مدام شامبيون ، لكنها تمردت عليه :
" وحتى لحظة كتابة هذه السطور، يحاول الراوي العليم ان يدٍس انفه بيننا، فارضا نفسه، بشيء من التمكن الكذوب، بطلاً من شخوص الراوية. أراد ان ينهي حياة مدام شامبيون وفشل ، مد ٍ كفيه ليخنقها فنمتعه وتمردت عليه. " (ص ٢٣٤)
لكن ما فاجآنا هو التحول، غير المتوقع، وربما غير المبرر في شخصية وديان في الفصول الأخيرة من طيبة الى شريرة:
"لم اولد شريرة، لكني أصبحت كذلك. ليست هذه من بنات افكاري.
قراتها في مقررات علم الاجتماع. ابحث عن السبب لافهم من اين جاء ميلي المتأخر الى الاذية. " (٣٢١)
وتحاول وديان ان تفلسف ميلها الجديد هذا الذي " زين لي الاقتصاص من الحب، وتفريق المحبين. إذا متُ ضمآنةً فلا تبللت شفة برضاب " (ص٣٢)
وتعترف وديان ان ما ورد من سرد عن اللقاء الافتراضي بين تاج الملوك وحبيبها الفلسطيني ناصر – هو مجرد تخيل من قبل تاجي، لان وديان قد لعبت بخبث، ولم تمنح العاشقين الكهلين فرصة اللقاء الحقيقي " انطلت حيلتي على السفير، مستشار الرئيس.. اما العاشقة بنت التسعين.. فقد تصورت انها ستخدعني، سأصدق انها ذهبت الى النافورة والتقت فارسها الهمام.. قالت انها تبعته الى فندقه ورقدت بجواره، وتساقيا الغرام" (ص٣٢٢)
وهكذا قطعت وديان ،بخطتها الشريرة، الطريق على لقاء العاشقين المسنين ليعيدا قصة الحب الخالدة المماثلة التي جسدتها رواية ماركيز " حب في زمن الكوليرا “.
وتنتهي رواية " النبيذة " نهاية مفتوحة تظل فيها ابنه التسعين، تاج الملوك، تتنفس وتشرب شايها :
" لا أحد يعرف من يموت قبل من: وهي قد تدفن الراوي وترسل برقية تعزية لعائلته. ما زالت تاجي والرواية ماثلة للطبع تتحامل على نفسها، وتعد شايها بنفسها." (ص ٣٢٥)
وبذا فالراوية تظل مفتوحة، لان بطلتها الرئيسة تاج الملوك ما زالت حية، وقد تدفن الراوي وترسل برقية تعزية الى عائلته،كما اشارت وديان، وهي إشارة الى وجود راوٍ آخر، ربما هو الراوي الضمني، الذات الثانية للمؤلف، فضلاً عن قيام وديان بعملية السرد وتحريك الاحداث، وهي إشارة الى البنية الميتاسردية المركبة في الرواية، التي تنطوي على عدد كبير من الرواة، يقابلها عدد من المروي لهم الذين تتم مخاطبتهم بصورة مباشرة او غير مباشرة:
" بقيت ممسكة برسالة منصور الباوي اعتصرها عسى ان تختفي الكلمات ويغيب دليل جريمتي. لست الآنسة البالغة اللطف والانسانة الحنون. انا عازفة محبطة." (ص ٣٢١)
في هذا النص، وفي غيره من النصوص، نشعر وكأن الراوي يخاطب مروياً له محدداً، ليبرر، افعاله، مثلما فعلت وديان في هذا النص، او مثلما فعلت مراراً تاج الملوك، وهي تستذكر ماضيها وتستنجد بالمروي له الافتراضي لكي يتفهم حالتها:
" تاج الملوك تعرف نفسها. عاشت ثلاثة اعمار في عمر واحد، ما عادت تتوقع مزيدا من الاقدار والمصادفات، " (ص ٩)
رواية " النبيذة " رواية حداثية تماماً، وليست رواية تقليدية او واقعية وثائقية. انها منسوجة ببراعة من خلال ضفيرة سردية ثلاثية متداخلة لحبكات ثلاث لشخصياتها الثلاث: تاج الملوك ووديان وناصر الباوي. وهي تحرك الماضي مثلما تحرك الحاضر، وتترك علامات سيميائية ورمزية مهمة تحفر في الذاكرة العراقية، وفي ذاكرة المرأة تحديداً، وهي تحاول ان تجد لها موقعاً في السيرورة الاجتماعية والتاريخية لحركة الاحداث في عالم يصطخب بالتغيير والعنف والصدام والطوفان، تبحث فيه المرآة العراقية عن طوق نجاة يحملها الى شاطئ الأمان.
تتحرك الاحداث بطريقة درامية، بعيداً عن حركة الاحداث، الخطية التاريخية والكرونولوجية، من خلال فعل الذاكرة لدى شخصياتها الثلاث ،وبشكل خاص لدى تاج الملوك، التي حاولت ان تجمع شتات ذاكرتها وهي ترقد في المستشفى؛" لكنها تعرف نفسها، ذاكرتها ما زالت سليمة لا تتلعثم. " (ص ١٠)، بل هي تشحذ هذه الذاكرة لكي لا تتكلس حيث كانت "" تحرك الملعقة في وعاء عقلها لكي لا تركد الذكريات فيه او تتكلس " (ص ١٢) . ولذا يمكن القول ان الرواية تتحرك على أكثر من مستوى سردي، منها سرد الذاكرة وسرد بنية المشهد الروائي الحي، وبنية السيرة الذاتية، وبنيات الوثيقة، واليوميات والرسائل، والصورة، والاتصالات الهاتفية، والتقارير الصحفية والنشرات الإخبارية الاذاعية والتلفزيونية. هذه الوسائط تتداخل بمهارة، لتشكل البنية السردية لهذه الرواية، التي شاءت مؤلفتها ان تطلق عليها اسم " النبيذة “محفزة القارئ، والناقد معاً لمعرفة دلالة هذا العنوان بوصفه عتبة نصية دالة، كما يذهب الى ذلك جيرار جنيت.ترى ما الذي يعنيه عنوان “النبيذة " وإلام يشير، ما هي الحمولات السيميائية والرمزية التي يحملها؟
ويبدو لي ان منصور الباوي هو من أطلق مصطلح " النبيذة " على تاجي او تاج الملوك، عندما قارنها بعنقود العنب الأسود والنبيذ الذي ينتج من عصره:
" تاجي عنقود من عنب اسود، يعاند الارجل العاصرة. نبيذها حلوٌ ... امسك القلم وأتردد، أكتب " نبيذ:" وأتأمل المفردة ، اضيف اليها تاء التأنيث " نبيذة " ( ص ٢٤٩) فالتشبيه هنا ، وربما الاستعارة ، تشبّه تاجي بالنبيذ ، مع مراعاة صيغة التأنيث لغوياً . والنبيذ يحمل دلالات متعددة، فهو يخمر ، ويظل مستساغاً بمرور الزمن، بل انه يزاد تأثيراً، كلما مرَّ به الزمن ، وهي إشارة الى ان تاج الملوك ظلت مثيرة وشهية مثل النبيذ ، على الرغم من بلوغها سن التسعين . لكن منصور الباوي لا يكتفي بذلك بل يعود الى المعجم العربي بحثاً ًعن دلالات مصطلح" البنيذ" فيورد معانٍ مختلفة ومتباينة ، ومنها ان الفعل ثلاثي ،واشتق منه الاسم منبوذ ونبيذ . (٢٤٩) ونشعر هنا بان منصور الباوي يشير الى تاجي غالباً بوصفها " نبيذاً"، وتارة اخرى بوصفها "منبوذة " ، كما وجدنا ذلك في مذكراته عندما علم بان تاج الملوك كانت تقيم ، لبعض الوقت ، لدى سيدة فرنسية ، " قادتها اليها راهبة تعمل في مستشفى الولادة ، عجوز تؤمن بان المسيحي الحق هو من يفتح بيته للمنبوذين " (ص٢٥٨ ) . لكني أرى صفة النبيذ، المعتق ، والذي يقاوم الزمن هي الأقرب للترميز لشخصية تاج الملوك ، لانها لم تعش عيشة "المنبوذة "، الا قليلاً، وبصورة رمزية .
الروائية انعام كجه جه تقدم، من خلال روايتها " النبيذة " ، من الجانب الاخر، وعياً عميقا ً بالتاريخ السياسي العراقي ، مكّنها من إقامة تعالق بين ما هو تاريخي، وما هو سردي بعيداً عن الخطاطات والوثائق الرسمية ، بل من خلال ملاحقة نبض الشارع العراقي ، وأفعال شخصياته المشاركة ، فكانت بحق شهادة شجاعة عن صفحات مهمة من تاريخنا الوطني والسياسي والاجتماعي من خلال ضفيرة سردية ثلاثية الابعاد.
اضع بين أيديكم دراستي عن رواية انعام كججي (النببذة) ،
استكمالاً واشباعاً لرغبة القراء الخاصة بالفقرات التي اقتبستها من الرواية في موضوعي عن الحراك الطلابي بين وثبة ١٩٤٨ و انتفاضة ١٩٥٢.
"النبيذة " : الرواية بوصفها ضفيرة سردية ثلاثية
فاضل ثامر
في رواية " انعام كجه جي الجديدة " النبيذة " الصادرة عن دار الجديد في بيروت عام ٢٠١٧ تتفوق الروائية على ذاتها، وهي تنسج بعناية فصول روايتها هذه .
عوالم انعام كجه جي الروائية ،وبشكل خاص في روايتيها السابقتين " الحفيدة الامريكية " الصادرة عام ٢٠٠٨ و " طشاري " الصادرة عام ٢٠١٣ تركز على المرأة، وتحديداً المرأة العراقية التي تنتمي الى شريحة المثقفين، من افراد الطبقة الوسطى. وبعض شخصياتها قد تمتلك ملامح اثنية معينة ، تمنح رواياتها خصوصية إضافية . ويمكن ان نقول ان هذا العالم هو عالم المؤلفة ذاتها، ضمن محيطها الاجتماعي والثقافي، مكانياً وزمنياً. وقد تكون هذه الشخصية صحفيةً او كاتبةً او مترجمةً وقد تكون أمّاً او أختاً او حفيدةً، وربما كانت الروائية تسبغ الكثير من ملامحها وتجاربها ومعاناتها على بطلاتها ، ولكن رواياتها هذه لم تتحول الى روايات سيرة ذاتية اوتو بيوغرافية، بل ظلت تمتلك قوام الرواية البوليفونية، متعددة الأصوات والشخصيات، ولم تسقط في عملية " تذويت " متطرفة، وهي تسبغ الكثير من احساسيها وتطلعاتها على عوالم شخصياتها النسوية.
ويمكن القول ان الروائية انعام كجه جي ، تلتقي مع اغلب الروائيات والقاصات العربيات عموماً ، والعراقيات بشكل خاص في الغوص في العالم السري الداخلي للمرأة بكل ما فيه من اشواق وعذابات ومكابدات .
وهذا، في نظري ، امرٌ طبيعي ، فالكتابة ، بالنسبة للمرأة العربية هي عملية تحٍد ومواجهة ومحاولة لتاكيد الهوية النسوية ، وهوية الجندر وتحديداً في مواجهة الاجتياح الذكوري والبترياركي لحياتها وذاكرتها وسلوكها.
وروايتها هذه ليست إستثناءً،فهي تدور حول عوالم ثلاث شخصيات روائية: إمرأتان ورجل واحد، ويهيمن فيها صوت السرد الانثوي على فضاء الرواية ، ويخفت الى صوت الشخصية الذكورية الى حد بعيد ، لأنها تظل في الغالب ، غائبة ، او مشاراً اليها ، ودونما حضور مجسد ،الا ما ندر. اذ تتقاسم بطلتا الرواية تاج الملوك عبد الحميد ، وهي صحفية مخضرمة، بدأت مشوارها الصحفي في بغداد في اربعينيات القرن الماضي، من خلال مجلتها " الرحاب " ، ووديان الملاح ، عازفة الكمان في الفرقة الموسيقية العراقية التي اضطرت الى الهرب من بطش الأستاذ " واستهتاره بعد ان انتهك كرامتها وافقدها سمعها برعونته. وباريس هي المكان الذي عاشت فيه الروائية مغتربة ،والذي سبق لها وان وظفته ببراعة في روايتها " طشاري " ،حيث تحصل بطلة الرواية على لفتة إنسانية من قبل الحكومة الفرنسية، ومن السيد ساركوزي شخصيا باستضافة عدد كبير من المسيحيين الذين تعرضوا الى هجمات الإرهابيين والطائفيين آنذاك . وهذا الامر ينطبق أيضاً، الى حد كبير، على كيفية وصول وديان الى باريس بمساعدة السفارة الفرنسية، التي خصصت منحة لاستضافة عدد من عازفي وعازفات الفرقة السمفونية العراقية في باريس، لإكمال دراساتهم الفنية وضمان سلامتهم في ظروف الانفلات الأمني آنذاك .
اما الشخصية الذكورية الوحيدة، فهي شخصية منصور الباوي ، وهو اعلامي ومذيع فلسطيني درس بعض الوقت في بغداد ، وجمعته المصادفات للالتقاء بتاج الملوك في مدينة كراتشي وتحديداً في اذاعتها الناطقة بالعربية بعد استقلالها من الهند عام ١٩٤٨ . لكن هذا الصوت الذكوري ظل خافتاً ومحدوداً، ولم يمنح الفسحة السردية الكافية،وظل السرد النسوي غالباً هو الذي يستحضر شخصيته.
لقد كان الفضاء الروائي الذي بدأت تتحرك فيه الرواية وتتنفس هو الفضاء السياسي والاجتماعي العراقي، بدءاً منذ منتصف اربعينيات القرن الماضي، وانتهاءً بفترة الاحتلال وصعود الصراع الطائفي ونشاط المنظمات الإرهابية، مثل القاعدة وداعش وايتام النظام الدكتاتوري السابق. وقد كشفت المؤلفة عن وعي عميق بالمشهد السياسي والاجتماعي والحضاري للعراق طيلة الفترة، وقدمت كشفاً درامياً لحركة الاحداث السياسية، قل نظيره في الرواية العراقية.
وبصراحة لم اجد من بزّها في تصوير أجواء وثبة كانون عام ١٩٤٨، التي شاركت فيها بطلتها الرئيسة تاجي عبد المجيد، عندما كانت تمارس الصحافة آنذاك. كما نجحت الروائية في ادانة مظاهر العنف والبطش والتقتيل التي تعرض لها الشعب العراقي في ظل الحكم الملكي، وفي ظل حكم البعث في العراق، من خلال انتقاء انموذج واحد يتمثل في " "الأستاذ" ،الابن المدلل للدكتاتور وممارساته وجرائمه المنافية لأبسط قواعد الانسانية والتي كانت وديان الملاح احدى ضحاياه. ويخيل لي ان الحب كان القوة الخفية الكبرى التي تحرك الاحداث، والناظم الرئيسي للإيقاع الروائي ولحركة الشخصيات الروائية الثلاث.
قصة الحب التي عاشتها تاج الملوك بطلة الرواية الرئيسة قصة غريبة ومعقدة الى حد كبير. فمع انها امرأة متحررة ومتمردة على الأعراف والقيم الاجتماعية التقليدية ، وعاشت تجارب مع رجال عديدين ، الا ان الشرارة التي احست بها وهي تمس ذراع منصور الباوي ، المذيع والإعلامي الفلسطيني، الذي عملت معه سوية في القسم العربي لإذاعة كراتشي العربية منذ العام ١٩٤٨ جعلتها تدخل في تجربة شبه عذرية من حب فيه الكثير من التسامي والقداسة والصوفية منعتها من البوح بحبها له ولم تكتشف خطأها الا وهي تستقل الباخرة مبتعدة عنه وهو يلتقط لها صورتها بكاميرته الكوداك، وهي تهز له يدها مودعةً، وداعها الأخير له ، ربما تعبيراً عن وداع أزلي . ويظل هذا الحب مهيمناً على روحها، على الرغم من مغامراتها الجنسية المتعددة وزواجها مرتين. وظل حلم اللقاء يشدهما من بعيد. وعندما رتبت وديان الملاح، صديقتها، لقاءً لهما في باريس كانت قد شاخت ولا تريد ان تشوه صورتها في عيني حبيبها ، وبشكل خاص في لحظة فراقهما على شاطئ البحر قبل ما يزيد على الستة عقود. وظل هذا الحب ، تنويعاً صوفياً وعذرياً على تجربة الحب بين عاشقين مسنين التي وجدنا لها تجسيداً رائعاً في رواية " الحب في زمن الكوليرا " لماركيز ، ولاحقاً في رواية الراحل سعد محمد رحيم ،الموسومة " القطار الى منزل هانا " الصادرة في بغداد عام ٢٠١٨ .
اما وديان الملاح، الفنانة المرهفة الحس، فقد ظل حبها لحبيبها وخطيبها السابق يوسف مالكاً عليها مشاعرها، على الرغم من خذلانه لها وتخليه عنها، دونما مبرر مقنع، بعد ان عاشا، معا ، تجربة حب متبادلة ، لكنهما وقعا في مصيدة " الأستاذ " المستبد ورعونته . اذ تحول يوسف الي واحد من " شلة الأستاذ " التي تأتمر بأمره وتنفذ رغباته، بينما وقعت هي الأخرى ضحية مباشرة لنزق " الأستاذ" الذي تسبب بفقدان سمعها، بعد ان عرضها الى تجربة قاسية عن طريق ضخ أصوات موسيقية صاخبة في اذنيها أدت الى اصابتها بالصمم.
ويمكن القول ان البطلتين قد عاشتا قصة ناقصة ومقموعة.
ومن جهة اخرى ، عاش منصور الباوي هو الاخر قصة حب شبه صوفية من خلال علاقته بالصحفية تاج الملوك ، التي لم يجرؤ فيها على البوح لها بحبه في الوقت المناسب ،مما جعل هذا الحب رومانتيكياً وورقياً ، مع كل المحاولات التي بذلها ، في مراحل مختلفة من حياته لتحقيق لقاء حقيقي مع حبيبته . وكان الباوي على حق عندما تحدث عن حبه لتاجي " مراهقان. أشيبان يجربان للحاق بقطار في محطة خلبٍية " (ص ٢٧٣) ربما في إشارة خفية الى رواية " ماركيز " الحب في زمن الكوليرا ". وهكذا تعيش شخصيات الرواية الثلاث قصص حب مختلفة ومؤجلة او مقموعة بفعل عوالم موضوعية وذاتية معقدة، جعلت من هذه الشخصيات ضحية للعبة عوامل وظروف أكبر منها .
فنياً ، تعتمد الرواية على السرد المبأر الذي تقدمه الشخصيات الثلاث ، مع استثناءات محدودة يتدخل فيها الراوي العليم في إدارة السرد ، وبذا فهي رواية بوليفونية متعددة الأصوات تكشف عن الرؤى المتباينة لابطالها، كما تلتقط أصوات العصر الصاخبة ، وخاصة عندما تتدفق اصوات المحتجين والمنتفضين في سنوات الربيع العربي ، او معاهدة بورتسموث في وثبة عام ١٩٤٨.
وعملياً تبدأ الرواية من النهاية حيث نجد عملية سرد ارتدادي الى الماضي من خلال استرجاعات (فلاش باك ) تقوم بها البطلة الرئيسة تاج الملوك ، من خلال تنشيط فعل الذاكرة لديها لاستعادة صور الماضي الهاربة على امتداد زمني يزيد على الستين عاماً ، تبدأ منذ منتصف الاربعينيات من القرن الماضي وتتواصل حتى نهاية العقد الاول من القرن الواحد والعشرين.
اذ تستهل الروائية روايتها ومنذ الصفحة الاولى باستغوار أعماق بطلتها تاج الملوك من خلال مونولوج داخلي عبر توظيف ضمير الغيبة " هي " الذي هو صورة مموهة عن " انا المتكلم ":
" هي لحظة من الحياة لم تجربها من قبل، ولا تظن انها ستعرفها فيما بعد.
كانت جالسة في القطار، قرب النافذة، ثم رات ماضيها يأتي ويرمي نفسه في المقعد المقابل " (ص ٧)
اذ يمكن للقارئ ان يعيد قراءة هذا النص عبر توظيف ضمير المتكلم:" هي لحظة من الحياة لم اجربها من قبل ولا اظن اني سأعرفها فيما بعد "
لا شك ان توظيف ضمير الغائب هنا يمنح مسافة او مباعدة بين الشخصية والسرد، ويجنبها المظهر الاوتو- سردي الذاتي، ويجعلها تتدرج ضمن سياق سردي موضوعي. ونكتشف ان بطلة الراوية التي تسرد احداث حياتها تواجه الماضي عبر عملية تشخيص وأنسنه عندما " يأتي ويرمي نفسه في المقعد المقابل " وهي إشارة مهمة الى ان الماضي سيكون حاضراً ومؤثراً من خلال توظيف أنماط فعل الذاكرة البعيدة والذاكرة القريبة، لترميم الفجوات الزمنية والمكانية في المشهد الروائي وفي حركة الاحداث. ونلاحظ ان المؤلفة لا تعتمد في ذلك على التسلسل الزمني الخطي لاستدراج الاحداث، بل هي تشظيها، وتستدرجها بين آونة وأخرى، في هذا المشهد او ذاك، لضمان استمرار عملية شد القراء وعدم الكشف عن اسرار لعبتها السردية مرة واحدة.وربما كانت صديقتها الصغيرة وديان على حق، عندما وقفت حائرة امام فهم مزاج صديقتها تاجي، او مدام شامبيون، فهي مثل " عجوز تقفز بين الازمان، مثل لاعبة الحبال في السيرك ... ترابط عند الصبا وتنكر شيخوختها، لعلها اعراض الزهايمر. " (ص ١٩)
وفي فصول الرواية الثلاثة والأربعين، نجد تناوباً بين سرد تاج الملك وسرد صديقتها وديان ، وبدرجة اقل في تداخل مع السرد الذكوري الوحيد لناصر الباوي المتمثل في سرد عبر ضمير الغائب هو او هي ، واحياناً عبر ضمير المتكلم "انا ". ومن خلال تنشيط فعل الذاكرة ،تبدأ صورة البطلتين تاجي ووديان بالتكامل تدريجياً . وعندما تصل وديان الى الغرفة التي ترقد فيها تاج الملوك او مدام شامبيون ينتقل السرد في الفصل الثاني الى وجهة نظر وديان، من خلال ضمير الغيبة أيضاً الذي هو صورة مموهة لانا المتكلم واداة لتنظيم المونولوج الداخلي :
" تأتي وديان ماشية في الممر الطويل على رؤوس اصابعها، لا تود اقلاق راحة الراقدين في الغرف ... تدخل وتقبل الراس الاشيب بفتور وتجلس على طرف السرير." (ص ١٧)
لقد ظلت تاج الملوك، تشحذ ذاكرتها او كما جاء في مونولوغها الداخلي " تحرك الملعقة في وعاء عقلها لكي لا تركد الذكريات فيه وتتكلس. " (ص ١٢).
وعلى الرغم من مركزية سرد تاج الملوك، الا ان وديان، في فصول الرواية الأخيرة تلتقط خيوط السرد المنفلتة لتعيد تنظيمها وتوزيعها، كاشفة عن دورها بوصفها من كتب مخطوطة هذه الرواية، اعتماداً على ما دونته عن حياة تاج الملوك وما قراته في مذكراتها ورسائلها التي خزنتها في عدد من الصناديق والكراتين، التي وضعتها تاج الملوك تحت سريرها، فضلاً عن اطلاعها على تفاصيل دقيقة رواها لها ناصر الباوي عن علاقته بتاج الملوك. اذ تكشف وديان في الفصل الثالث والأربعين ، وهو الفصل الأخير من الرواية عن سر اللعبة السردية بكاملها عندما نكتشف من خلال منحى ميتا سردي واضح انها هي التي تحرك خيوط السرد كلها وانها هي التي " كتبت مشهد الختام " (ص ٣٢٢) وانها رفضت الانصياع الى تدخل الراوي العليم ونصائحه لها الذي حاول عبثا ان ينهي حياة تاج الملوك او مدام شامبيون ، لكنها تمردت عليه :
" وحتى لحظة كتابة هذه السطور، يحاول الراوي العليم ان يدٍس انفه بيننا، فارضا نفسه، بشيء من التمكن الكذوب، بطلاً من شخوص الراوية. أراد ان ينهي حياة مدام شامبيون وفشل ، مد ٍ كفيه ليخنقها فنمتعه وتمردت عليه. " (ص ٢٣٤)
لكن ما فاجآنا هو التحول، غير المتوقع، وربما غير المبرر في شخصية وديان في الفصول الأخيرة من طيبة الى شريرة:
"لم اولد شريرة، لكني أصبحت كذلك. ليست هذه من بنات افكاري.
قراتها في مقررات علم الاجتماع. ابحث عن السبب لافهم من اين جاء ميلي المتأخر الى الاذية. " (٣٢١)
وتحاول وديان ان تفلسف ميلها الجديد هذا الذي " زين لي الاقتصاص من الحب، وتفريق المحبين. إذا متُ ضمآنةً فلا تبللت شفة برضاب " (ص٣٢)
وتعترف وديان ان ما ورد من سرد عن اللقاء الافتراضي بين تاج الملوك وحبيبها الفلسطيني ناصر – هو مجرد تخيل من قبل تاجي، لان وديان قد لعبت بخبث، ولم تمنح العاشقين الكهلين فرصة اللقاء الحقيقي " انطلت حيلتي على السفير، مستشار الرئيس.. اما العاشقة بنت التسعين.. فقد تصورت انها ستخدعني، سأصدق انها ذهبت الى النافورة والتقت فارسها الهمام.. قالت انها تبعته الى فندقه ورقدت بجواره، وتساقيا الغرام" (ص٣٢٢)
وهكذا قطعت وديان ،بخطتها الشريرة، الطريق على لقاء العاشقين المسنين ليعيدا قصة الحب الخالدة المماثلة التي جسدتها رواية ماركيز " حب في زمن الكوليرا “.
وتنتهي رواية " النبيذة " نهاية مفتوحة تظل فيها ابنه التسعين، تاج الملوك، تتنفس وتشرب شايها :
" لا أحد يعرف من يموت قبل من: وهي قد تدفن الراوي وترسل برقية تعزية لعائلته. ما زالت تاجي والرواية ماثلة للطبع تتحامل على نفسها، وتعد شايها بنفسها." (ص ٣٢٥)
وبذا فالراوية تظل مفتوحة، لان بطلتها الرئيسة تاج الملوك ما زالت حية، وقد تدفن الراوي وترسل برقية تعزية الى عائلته،كما اشارت وديان، وهي إشارة الى وجود راوٍ آخر، ربما هو الراوي الضمني، الذات الثانية للمؤلف، فضلاً عن قيام وديان بعملية السرد وتحريك الاحداث، وهي إشارة الى البنية الميتاسردية المركبة في الرواية، التي تنطوي على عدد كبير من الرواة، يقابلها عدد من المروي لهم الذين تتم مخاطبتهم بصورة مباشرة او غير مباشرة:
" بقيت ممسكة برسالة منصور الباوي اعتصرها عسى ان تختفي الكلمات ويغيب دليل جريمتي. لست الآنسة البالغة اللطف والانسانة الحنون. انا عازفة محبطة." (ص ٣٢١)
في هذا النص، وفي غيره من النصوص، نشعر وكأن الراوي يخاطب مروياً له محدداً، ليبرر، افعاله، مثلما فعلت وديان في هذا النص، او مثلما فعلت مراراً تاج الملوك، وهي تستذكر ماضيها وتستنجد بالمروي له الافتراضي لكي يتفهم حالتها:
" تاج الملوك تعرف نفسها. عاشت ثلاثة اعمار في عمر واحد، ما عادت تتوقع مزيدا من الاقدار والمصادفات، " (ص ٩)
رواية " النبيذة " رواية حداثية تماماً، وليست رواية تقليدية او واقعية وثائقية. انها منسوجة ببراعة من خلال ضفيرة سردية ثلاثية متداخلة لحبكات ثلاث لشخصياتها الثلاث: تاج الملوك ووديان وناصر الباوي. وهي تحرك الماضي مثلما تحرك الحاضر، وتترك علامات سيميائية ورمزية مهمة تحفر في الذاكرة العراقية، وفي ذاكرة المرأة تحديداً، وهي تحاول ان تجد لها موقعاً في السيرورة الاجتماعية والتاريخية لحركة الاحداث في عالم يصطخب بالتغيير والعنف والصدام والطوفان، تبحث فيه المرآة العراقية عن طوق نجاة يحملها الى شاطئ الأمان.
تتحرك الاحداث بطريقة درامية، بعيداً عن حركة الاحداث، الخطية التاريخية والكرونولوجية، من خلال فعل الذاكرة لدى شخصياتها الثلاث ،وبشكل خاص لدى تاج الملوك، التي حاولت ان تجمع شتات ذاكرتها وهي ترقد في المستشفى؛" لكنها تعرف نفسها، ذاكرتها ما زالت سليمة لا تتلعثم. " (ص ١٠)، بل هي تشحذ هذه الذاكرة لكي لا تتكلس حيث كانت "" تحرك الملعقة في وعاء عقلها لكي لا تركد الذكريات فيه او تتكلس " (ص ١٢) . ولذا يمكن القول ان الرواية تتحرك على أكثر من مستوى سردي، منها سرد الذاكرة وسرد بنية المشهد الروائي الحي، وبنية السيرة الذاتية، وبنيات الوثيقة، واليوميات والرسائل، والصورة، والاتصالات الهاتفية، والتقارير الصحفية والنشرات الإخبارية الاذاعية والتلفزيونية. هذه الوسائط تتداخل بمهارة، لتشكل البنية السردية لهذه الرواية، التي شاءت مؤلفتها ان تطلق عليها اسم " النبيذة “محفزة القارئ، والناقد معاً لمعرفة دلالة هذا العنوان بوصفه عتبة نصية دالة، كما يذهب الى ذلك جيرار جنيت.ترى ما الذي يعنيه عنوان “النبيذة " وإلام يشير، ما هي الحمولات السيميائية والرمزية التي يحملها؟
ويبدو لي ان منصور الباوي هو من أطلق مصطلح " النبيذة " على تاجي او تاج الملوك، عندما قارنها بعنقود العنب الأسود والنبيذ الذي ينتج من عصره:
" تاجي عنقود من عنب اسود، يعاند الارجل العاصرة. نبيذها حلوٌ ... امسك القلم وأتردد، أكتب " نبيذ:" وأتأمل المفردة ، اضيف اليها تاء التأنيث " نبيذة " ( ص ٢٤٩) فالتشبيه هنا ، وربما الاستعارة ، تشبّه تاجي بالنبيذ ، مع مراعاة صيغة التأنيث لغوياً . والنبيذ يحمل دلالات متعددة، فهو يخمر ، ويظل مستساغاً بمرور الزمن، بل انه يزاد تأثيراً، كلما مرَّ به الزمن ، وهي إشارة الى ان تاج الملوك ظلت مثيرة وشهية مثل النبيذ ، على الرغم من بلوغها سن التسعين . لكن منصور الباوي لا يكتفي بذلك بل يعود الى المعجم العربي بحثاً ًعن دلالات مصطلح" البنيذ" فيورد معانٍ مختلفة ومتباينة ، ومنها ان الفعل ثلاثي ،واشتق منه الاسم منبوذ ونبيذ . (٢٤٩) ونشعر هنا بان منصور الباوي يشير الى تاجي غالباً بوصفها " نبيذاً"، وتارة اخرى بوصفها "منبوذة " ، كما وجدنا ذلك في مذكراته عندما علم بان تاج الملوك كانت تقيم ، لبعض الوقت ، لدى سيدة فرنسية ، " قادتها اليها راهبة تعمل في مستشفى الولادة ، عجوز تؤمن بان المسيحي الحق هو من يفتح بيته للمنبوذين " (ص٢٥٨ ) . لكني أرى صفة النبيذ، المعتق ، والذي يقاوم الزمن هي الأقرب للترميز لشخصية تاج الملوك ، لانها لم تعش عيشة "المنبوذة "، الا قليلاً، وبصورة رمزية .
الروائية انعام كجه جه تقدم، من خلال روايتها " النبيذة " ، من الجانب الاخر، وعياً عميقا ً بالتاريخ السياسي العراقي ، مكّنها من إقامة تعالق بين ما هو تاريخي، وما هو سردي بعيداً عن الخطاطات والوثائق الرسمية ، بل من خلال ملاحقة نبض الشارع العراقي ، وأفعال شخصياته المشاركة ، فكانت بحق شهادة شجاعة عن صفحات مهمة من تاريخنا الوطني والسياسي والاجتماعي من خلال ضفيرة سردية ثلاثية الابعاد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق