هكذا كانت اخلاق المسلمين " عمر بن الخطاب رضي الله عنه والهرمزان "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي 4-10-2017
بعد ان من الله على المسلمين ومكنهم من فتح تستر بعد حصارها ومعارك ضارية تمكنوا اسر الهرمزان جاء الوفد الإسلامي بأسيرهم الهرمزان إلى المدينة المنورة ليرى فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأيه، وكما ذكرنا أن الوفد كان على رأسه أنس بن مالك والمغيرة بن شعبة والأحنف بن قيس رضي الله عنهم ، وتوجه الجميع من "تُسْتَر" إلى المدينة، وكانت المسافة كبيرة جدًّا تُقدَّر بألف كيلو متر، وكان الهرمزان تحت حراسة مشددة، فلما اقتربوا من المدينة ألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب وتاجه، وكان مكللاً بالياقوت، وأساوره وأعقاده الذهبية ومنطقته وسيفه الذهبي، ألبسوه هذا اللباس ليدخل المدينة في هذه الهيئة، فيرى المسلمون هذا العزّ وهذه العظمة كيف سقطت في أيدي المسلمين؟ وكيف أعز الله المسلمين وأذل هؤلاء بالإسلام؟ فألبسوه لباسه ودخلوا به إلى المدينة، فطلبوا عمر فلم يجدوه في بيته، فسألوا عنه فقيل: جلس في المسجد لوفد من الكوفة. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه هو رئيس الدولة التي أسقطت عروش أعظم دولتين في الأرض: الفرس والروم، وما زالت هذه الدولة في بداية نشأتها، فرآهم بعض الصبية وهم يلعبون في طرقات المدينة؛ فقالوا لهم: ما تلددكم؟ تريدون أمير المؤمنين؟ والله إنه لنائم في المسجد. فذهب الوفد إلى المسجد ومعهم الهرمزان، وتجمع الناس في المسجد لما رأوا الهرمزان في هذه الهيئة؛ ليحضروا هذا اللقاء التاريخي بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وبين الهرمزان أحد قواد الفرس، وعندما دخل الوفد المسجد بحثوا عن عمر بن الخطاب في المسجد يمينًا ويسارًا فوجدوه متوسدًا بُرْنسًا له كان قد لبسه للوفد، فلما انصرفوا عنه توسّد البرنس ونام، وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدِّرَّة في يده معلقة، فكان نائمًا بدون حرّاس أو حجّاب.
لقاء عمر رضي الله عنه مع الهرمزان :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ دخل الهرمزان المسجد، وتأهب لمقابلة رئيس الدولة التي أسقطت عروش كسرى وقيصر، والذي أرسل جيوشًا مخرت "فارس" من الجنوب إلى الشمال، ومن الغرب إلى الشرق، رئيس الدولة التي زلزلت "الروم" و"فارس"، كان منتظرًا لمقابلة رئيس الدولة الذي تطيعه كل هذه الجيوش فتتحرك بكلمة منه في بلاد الروم وفارس، كان منتظرًا لأن يقابل الرجل الذي يضع خططًا وهو في المدينة لا يستطيع أمراء وقادة فارس وضعها وهم في أرض المعركة وفي بلادهم، وكما ذكرنا من قبل أن عمر بن الخطاب كان يضع الخطط من المدينة لتحركات الجيوش داخل مدينة فارس، وكأنه يعيش في أرض فارس وما دخل فارس من قبل، كل ما في الأمر أن فارس كانت توصف له كأنه يراها رأي العين وعلى إثر ذلك يضع الخطة، وتعجز القيادة الفارسية في ذلك الوقت -وهم أهل البلد وأعرف بها من غيرهم- أن يضعوا خطة تجابه الخطة التي وضعها عمر بن الخطاب في المدينة؛ فقد كان متشوقًا لرؤية هذا الرجل ذي العبقرية العظيمة الجبارة وصاحب التفكير العملاق، فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا. فوجده في وضع غريب جدًّا، وجده نائمًا في ركن من أركان المسجد، لباسه متواضع، ليس له حرّاس أو حُجَّاب، ومن المؤكد أن تحضر صورة يزدجرد ملك الدولة الفارسية في ذهن الهرمزان، فقد كان الداخل على يزدجرد يقف على مسافة منه، وكان أقرب من يقف مع يزدجر يقف على بعد خمسة أمتار وكانوا كبار الأساورة والأمراء، وعلى بعد عشرة أمتار يقف كبار قواد الجيش والعلماء، ثم على بعد خمسة عشر مترًا يقف المهرجون والمطربون وأصحاب اللهو، وإذا أراد أحد مقابلته فليس له أن يتجاوز هذه المسافة، وكان الداخل على يزدجرد يرتمي على الأرض، ولا يتكلم حتى يأذن له كسرى بالكلام، وإذا تكلم أحد مع يزدجرد لا يذكر اسم يزدجرد أبدًا تعظيمًا لهذا الاسم، وإذا دخل رجل على يزدجرد وضع على فمه غلالة من القماش الأبيض حتى لا تُلوِّثَ أنفاسُه الحضرة الملكية ليزدجرد، ولك أن تنظر إلى العظمة التي كان يعيش فيها كسرى فارس وأمير الأهواز الهرمزان وغيره من أمراء الدولة الفارسية، وكيف يستطيع هذا الرجل المتواضع الذي ينام في ركن من أركان المسجد أن يسقط كل هذه العروش، ويهز هذه الأبنية التي ملأها الكبر والعظمة، فيتعجب الهرمزان متسائلاً عن عمر بن الخطاب، فقالوا: ها هو نائم.
وجعل الناس يخفضون أصواتهم لئلا ينبهوه، وجعل الهرمزان يقول: وأين حجّابه؟ أين حَرَسه؟ فقالوا: ليس له حجاب ولا حرس، ولا كاتب ولا ديوان. ينام في المسجد في منتهى الأمن، وقد قال له رسول قيصر: حكمت فعدلت فأمنت، فنمت يا عمر.
فقال الهرمزان: ليس له حاجب ولا حارس ! ينبغي أن يكون نبيًّا.
فقالوا: لا، بل يعمل عمل الأنبياء.
فالرسل هم القدوة التي يقتدي بها الخلق، وقد وصل عمر بن الخطاب إلى أن يعمل بعمل الأنبياء، وهذه ليست أول مرة تُقال فيها هذه الكلمة في حق عمر بن الخطاب، فقد قالها أشرف الخلق محمد؛ ففي مسند الإمام أحمد عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "لَوْ كَانَ مِنْ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ". وكثيرًا ما نزل القرآن موافقًا عمر بن الخطاب، هذا هو الرجل الذي يخاف منه الشيطان لا لقوة في جسده بل لقوة إيمانه وتقواه. هذا الرجل العظيم شديد المنعة الذي يهتز كسرى على كرسيه فَرَقًا عند سماع اسمه، والذي تخشاه ملوك الروم يسمع آية من كتاب الله {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} [الطور:7]، فيسقط مغشيًّا عليه خوفًا من هذه الآية من خشيته لله عز وجل، ويَعُوده أصحابه في منزله أيامًا. فتعجب الهرمزان؛ رجل على مثل هذا وليس بنبيٍّ. وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالسًا (ومن هذه اللحظة يبدأ اللقاء التاريخي المهم في أطهر بقعة من بقاع الأرض في بيت من بيوت الله عز وجل، وفي مسجد الرسول على ما كان عليه من البساطة، فيتم اللقاء في هذا المكان بين عمر بن الخطاب أمير الدولة الإسلامية الناشئة التي أسقطت عروش فارس والروم وبين الهرمزان أمير الأهواز وأحد أمراء الدولة الفارسية) نظر عمر إلى الهرمزان، فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم.
فتأمله وتأمل ما عليه، ثم قال: أعوذ بالله من النار وأستعين بالله.
ثم قال: الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غدارة.
فقال له الوفد: هذا ملك الأهواز فكَلِّمْهُ.
فقال: لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شيء.
ففعلوا ذلك وألبسوه ثوبًا صفيقًا، فقال عمر: يا هرمزان، كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر، إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلَّى بيننا وبينكم فغلبناكم، إذ لم يكن الله معنا ولا معكم، فلما كان الله معكم غلبتمونا. ولك أن تتأمل في كلام الهرمزان وبُعد نظره، فهو يشعر بل يؤكد أن الله ينصر هذا الجيش.
فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا.
ثم قال: ما عذرك وما حجتك في انتقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك.
قال: لا تخف ذلك.
فاستسقى الهرمزان ماء فأُتي به في قدح غليظ، فقال: لو مِتُّ عطشًا لم أستطع أن أشرب في هذا. فأتي به في قدح آخر يرضاه.
ليس لهذا اللقاء أهمية عسكرية كبيرة، بل تُظهِر هذه المقابلة بوضوح أخلاق المسلمين في هذا اللقاء، فنحن نرى عمر بن الخطاب يصبر على الهرمزان ويأمر له بالماء، وكان بإمكان عمر بن الخطاب قتله أو الغدر به، ولكن في مثل هذه المواقف تظهر الرحمة التي تربى عليها المسلمون حتى مع من غدر بهم وقتل منهم، ويظهر ذلك جليًّا في تعامل عمر بن الخطاب مع الهرمزان.
فلما أخذه جعلت يده ترعد، وقال: إني أخاف أن أُقْتَلَ وأنا أشرب.
فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه فَأَكفأه.
فقال عمر: أعيدوه عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش.
فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأمن به.
فقال له عمر: إني قاتلك. فقال: إنك أمَّنتني.
قال: كذبت. فقال أنس: صدق يا أمير المؤمنين. فقال عمر: وَيْحَكَ يا أنس! أنا أُؤَمِّنُ من قتل مجزأة والبراء؟! والله لتأتينَّ بمخرج أو لأعاقبنك. قال: قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرني.
وقلت: لا بأس عليك حتى تشربه. وقال له من حوله مثل ذلك.
فأقبل على الهرمزان فقال: خدعتني، والله لا أنخدع إلا لمسلم.
فأسلم، ففرض له على ألفين، وأنزله المدينة.
ولا أحد يعلم إن كان إسلام الهرمزان خوفًا من القتل (وقد قال عمر بن الخطاب مقولة تذكرها بعض الروايات، يقول عمر: إن للمخدوع في الحرب حُكمَه؛ ولهذا يقول النبي (ص): "الْحَرْبُ خُدْعَةٌ"، فيعرض عمر بسلاح لم يستغله وبفتوى، وكما نعلم فإن عمر بن الخطاب من كبار علماء المسلمين، فبعد مقالة عمر أيقن أنه إما الإسلام أو القتل فأسلم الهرمزان)، أم أن إسلامه عن قناعة فهو لم يرتد بعد إسلامه، ولكن كثيرًا من الروايات تشكك في إسلام الهرمزان، ووصل بعض من يشككون في إسلام الهرمزان إلى أنه هو الذي أعان أبا لؤلؤة المجوسي على قتل عمر بن الخطاب بعد ذلك، وكانوا يقولون: كان عمر بن الخطاب يستشير الهرمزان ولا يأخذ بمشورته. المهم أسلم الهرمزان وأعتق نفسه من القتل، وأحضر له المسلمون لباسًا يرضاه، وعلَّموه الإسلام واغتسل، وأصبح مسلمًا بعد هذا اللقاء التاريخي.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135].
إن الناظر في اللقاء الكائن بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t والهرمزان أمير الأهواز ليلمس معاني كبيرة تُسَطَّر بأحرفٍ من نور للمسلمين، ولا بد أن نخرج من هذا اللقاء بفائدة عملية نتعلم منها، وتكون منهجًا في تعاملاتنا، وأهم ما يجب تعلمه من هذا اللقاء: العدل في الحكم وإن كان المحكوم عليه عدوك، فلم يكن أحد يبغض الهرمزان قبل إسلامه أكثر من أنس بن مالك؛ فهو قاتل أخيه البراء بن مالك الذي لم يجف دمه بعدُ، ولكنه يعطيه الأمان عدلاً، ولا بُدَّ أن يُوَفَّى له بهذا العهد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي 4-10-2017
بعد ان من الله على المسلمين ومكنهم من فتح تستر بعد حصارها ومعارك ضارية تمكنوا اسر الهرمزان جاء الوفد الإسلامي بأسيرهم الهرمزان إلى المدينة المنورة ليرى فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأيه، وكما ذكرنا أن الوفد كان على رأسه أنس بن مالك والمغيرة بن شعبة والأحنف بن قيس رضي الله عنهم ، وتوجه الجميع من "تُسْتَر" إلى المدينة، وكانت المسافة كبيرة جدًّا تُقدَّر بألف كيلو متر، وكان الهرمزان تحت حراسة مشددة، فلما اقتربوا من المدينة ألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب وتاجه، وكان مكللاً بالياقوت، وأساوره وأعقاده الذهبية ومنطقته وسيفه الذهبي، ألبسوه هذا اللباس ليدخل المدينة في هذه الهيئة، فيرى المسلمون هذا العزّ وهذه العظمة كيف سقطت في أيدي المسلمين؟ وكيف أعز الله المسلمين وأذل هؤلاء بالإسلام؟ فألبسوه لباسه ودخلوا به إلى المدينة، فطلبوا عمر فلم يجدوه في بيته، فسألوا عنه فقيل: جلس في المسجد لوفد من الكوفة. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه هو رئيس الدولة التي أسقطت عروش أعظم دولتين في الأرض: الفرس والروم، وما زالت هذه الدولة في بداية نشأتها، فرآهم بعض الصبية وهم يلعبون في طرقات المدينة؛ فقالوا لهم: ما تلددكم؟ تريدون أمير المؤمنين؟ والله إنه لنائم في المسجد. فذهب الوفد إلى المسجد ومعهم الهرمزان، وتجمع الناس في المسجد لما رأوا الهرمزان في هذه الهيئة؛ ليحضروا هذا اللقاء التاريخي بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وبين الهرمزان أحد قواد الفرس، وعندما دخل الوفد المسجد بحثوا عن عمر بن الخطاب في المسجد يمينًا ويسارًا فوجدوه متوسدًا بُرْنسًا له كان قد لبسه للوفد، فلما انصرفوا عنه توسّد البرنس ونام، وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدِّرَّة في يده معلقة، فكان نائمًا بدون حرّاس أو حجّاب.
لقاء عمر رضي الله عنه مع الهرمزان :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ دخل الهرمزان المسجد، وتأهب لمقابلة رئيس الدولة التي أسقطت عروش كسرى وقيصر، والذي أرسل جيوشًا مخرت "فارس" من الجنوب إلى الشمال، ومن الغرب إلى الشرق، رئيس الدولة التي زلزلت "الروم" و"فارس"، كان منتظرًا لمقابلة رئيس الدولة الذي تطيعه كل هذه الجيوش فتتحرك بكلمة منه في بلاد الروم وفارس، كان منتظرًا لأن يقابل الرجل الذي يضع خططًا وهو في المدينة لا يستطيع أمراء وقادة فارس وضعها وهم في أرض المعركة وفي بلادهم، وكما ذكرنا من قبل أن عمر بن الخطاب كان يضع الخطط من المدينة لتحركات الجيوش داخل مدينة فارس، وكأنه يعيش في أرض فارس وما دخل فارس من قبل، كل ما في الأمر أن فارس كانت توصف له كأنه يراها رأي العين وعلى إثر ذلك يضع الخطة، وتعجز القيادة الفارسية في ذلك الوقت -وهم أهل البلد وأعرف بها من غيرهم- أن يضعوا خطة تجابه الخطة التي وضعها عمر بن الخطاب في المدينة؛ فقد كان متشوقًا لرؤية هذا الرجل ذي العبقرية العظيمة الجبارة وصاحب التفكير العملاق، فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا. فوجده في وضع غريب جدًّا، وجده نائمًا في ركن من أركان المسجد، لباسه متواضع، ليس له حرّاس أو حُجَّاب، ومن المؤكد أن تحضر صورة يزدجرد ملك الدولة الفارسية في ذهن الهرمزان، فقد كان الداخل على يزدجرد يقف على مسافة منه، وكان أقرب من يقف مع يزدجر يقف على بعد خمسة أمتار وكانوا كبار الأساورة والأمراء، وعلى بعد عشرة أمتار يقف كبار قواد الجيش والعلماء، ثم على بعد خمسة عشر مترًا يقف المهرجون والمطربون وأصحاب اللهو، وإذا أراد أحد مقابلته فليس له أن يتجاوز هذه المسافة، وكان الداخل على يزدجرد يرتمي على الأرض، ولا يتكلم حتى يأذن له كسرى بالكلام، وإذا تكلم أحد مع يزدجرد لا يذكر اسم يزدجرد أبدًا تعظيمًا لهذا الاسم، وإذا دخل رجل على يزدجرد وضع على فمه غلالة من القماش الأبيض حتى لا تُلوِّثَ أنفاسُه الحضرة الملكية ليزدجرد، ولك أن تنظر إلى العظمة التي كان يعيش فيها كسرى فارس وأمير الأهواز الهرمزان وغيره من أمراء الدولة الفارسية، وكيف يستطيع هذا الرجل المتواضع الذي ينام في ركن من أركان المسجد أن يسقط كل هذه العروش، ويهز هذه الأبنية التي ملأها الكبر والعظمة، فيتعجب الهرمزان متسائلاً عن عمر بن الخطاب، فقالوا: ها هو نائم.
وجعل الناس يخفضون أصواتهم لئلا ينبهوه، وجعل الهرمزان يقول: وأين حجّابه؟ أين حَرَسه؟ فقالوا: ليس له حجاب ولا حرس، ولا كاتب ولا ديوان. ينام في المسجد في منتهى الأمن، وقد قال له رسول قيصر: حكمت فعدلت فأمنت، فنمت يا عمر.
فقال الهرمزان: ليس له حاجب ولا حارس ! ينبغي أن يكون نبيًّا.
فقالوا: لا، بل يعمل عمل الأنبياء.
فالرسل هم القدوة التي يقتدي بها الخلق، وقد وصل عمر بن الخطاب إلى أن يعمل بعمل الأنبياء، وهذه ليست أول مرة تُقال فيها هذه الكلمة في حق عمر بن الخطاب، فقد قالها أشرف الخلق محمد؛ ففي مسند الإمام أحمد عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "لَوْ كَانَ مِنْ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ". وكثيرًا ما نزل القرآن موافقًا عمر بن الخطاب، هذا هو الرجل الذي يخاف منه الشيطان لا لقوة في جسده بل لقوة إيمانه وتقواه. هذا الرجل العظيم شديد المنعة الذي يهتز كسرى على كرسيه فَرَقًا عند سماع اسمه، والذي تخشاه ملوك الروم يسمع آية من كتاب الله {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} [الطور:7]، فيسقط مغشيًّا عليه خوفًا من هذه الآية من خشيته لله عز وجل، ويَعُوده أصحابه في منزله أيامًا. فتعجب الهرمزان؛ رجل على مثل هذا وليس بنبيٍّ. وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالسًا (ومن هذه اللحظة يبدأ اللقاء التاريخي المهم في أطهر بقعة من بقاع الأرض في بيت من بيوت الله عز وجل، وفي مسجد الرسول على ما كان عليه من البساطة، فيتم اللقاء في هذا المكان بين عمر بن الخطاب أمير الدولة الإسلامية الناشئة التي أسقطت عروش فارس والروم وبين الهرمزان أمير الأهواز وأحد أمراء الدولة الفارسية) نظر عمر إلى الهرمزان، فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم.
فتأمله وتأمل ما عليه، ثم قال: أعوذ بالله من النار وأستعين بالله.
ثم قال: الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غدارة.
فقال له الوفد: هذا ملك الأهواز فكَلِّمْهُ.
فقال: لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شيء.
ففعلوا ذلك وألبسوه ثوبًا صفيقًا، فقال عمر: يا هرمزان، كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر، إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلَّى بيننا وبينكم فغلبناكم، إذ لم يكن الله معنا ولا معكم، فلما كان الله معكم غلبتمونا. ولك أن تتأمل في كلام الهرمزان وبُعد نظره، فهو يشعر بل يؤكد أن الله ينصر هذا الجيش.
فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا.
ثم قال: ما عذرك وما حجتك في انتقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك.
قال: لا تخف ذلك.
فاستسقى الهرمزان ماء فأُتي به في قدح غليظ، فقال: لو مِتُّ عطشًا لم أستطع أن أشرب في هذا. فأتي به في قدح آخر يرضاه.
ليس لهذا اللقاء أهمية عسكرية كبيرة، بل تُظهِر هذه المقابلة بوضوح أخلاق المسلمين في هذا اللقاء، فنحن نرى عمر بن الخطاب يصبر على الهرمزان ويأمر له بالماء، وكان بإمكان عمر بن الخطاب قتله أو الغدر به، ولكن في مثل هذه المواقف تظهر الرحمة التي تربى عليها المسلمون حتى مع من غدر بهم وقتل منهم، ويظهر ذلك جليًّا في تعامل عمر بن الخطاب مع الهرمزان.
فلما أخذه جعلت يده ترعد، وقال: إني أخاف أن أُقْتَلَ وأنا أشرب.
فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه فَأَكفأه.
فقال عمر: أعيدوه عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش.
فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأمن به.
فقال له عمر: إني قاتلك. فقال: إنك أمَّنتني.
قال: كذبت. فقال أنس: صدق يا أمير المؤمنين. فقال عمر: وَيْحَكَ يا أنس! أنا أُؤَمِّنُ من قتل مجزأة والبراء؟! والله لتأتينَّ بمخرج أو لأعاقبنك. قال: قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرني.
وقلت: لا بأس عليك حتى تشربه. وقال له من حوله مثل ذلك.
فأقبل على الهرمزان فقال: خدعتني، والله لا أنخدع إلا لمسلم.
فأسلم، ففرض له على ألفين، وأنزله المدينة.
ولا أحد يعلم إن كان إسلام الهرمزان خوفًا من القتل (وقد قال عمر بن الخطاب مقولة تذكرها بعض الروايات، يقول عمر: إن للمخدوع في الحرب حُكمَه؛ ولهذا يقول النبي (ص): "الْحَرْبُ خُدْعَةٌ"، فيعرض عمر بسلاح لم يستغله وبفتوى، وكما نعلم فإن عمر بن الخطاب من كبار علماء المسلمين، فبعد مقالة عمر أيقن أنه إما الإسلام أو القتل فأسلم الهرمزان)، أم أن إسلامه عن قناعة فهو لم يرتد بعد إسلامه، ولكن كثيرًا من الروايات تشكك في إسلام الهرمزان، ووصل بعض من يشككون في إسلام الهرمزان إلى أنه هو الذي أعان أبا لؤلؤة المجوسي على قتل عمر بن الخطاب بعد ذلك، وكانوا يقولون: كان عمر بن الخطاب يستشير الهرمزان ولا يأخذ بمشورته. المهم أسلم الهرمزان وأعتق نفسه من القتل، وأحضر له المسلمون لباسًا يرضاه، وعلَّموه الإسلام واغتسل، وأصبح مسلمًا بعد هذا اللقاء التاريخي.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135].
إن الناظر في اللقاء الكائن بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t والهرمزان أمير الأهواز ليلمس معاني كبيرة تُسَطَّر بأحرفٍ من نور للمسلمين، ولا بد أن نخرج من هذا اللقاء بفائدة عملية نتعلم منها، وتكون منهجًا في تعاملاتنا، وأهم ما يجب تعلمه من هذا اللقاء: العدل في الحكم وإن كان المحكوم عليه عدوك، فلم يكن أحد يبغض الهرمزان قبل إسلامه أكثر من أنس بن مالك؛ فهو قاتل أخيه البراء بن مالك الذي لم يجف دمه بعدُ، ولكنه يعطيه الأمان عدلاً، ولا بُدَّ أن يُوَفَّى له بهذا العهد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق