الخميس، 5 أكتوبر 2017

جابر بن عبد الله رضي الله عنه /بقلم الكاتب الاديب الراقي/الشاعر المبدع د.صالح العطوان الحيالي 28-9-2017

جابر بن عبد الله رضي الله عنه ...أصغر المبايعين سنا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ د.صالح العطوان الحيالي 28-9-2017
هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، وأمه: نسيبة بنت عقبة بن عدي بن سنان بن نابي بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم، تجتمع هي وأبوه في حرام، يكنى أبا عبد الله، الأنصاري الخزرجي السلمي المدني. من أهل بيعة الرضوان، أسلم صغيراً، وشهد بيعة العقبة الثانية مع السبعين أنصارياً، وكان أصغر المبايعين سناً، أراد الخروج إلى غزوة بدر ثم أحد فأمره أبوه بأن يبقى في المدينة ليخلفه على أخواته، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة، وروى عنه أخباراً وأحاديث كثيرة، وكان من فقهاء الصحابة، عاش طويلاً، وكف بصره في آخر عمره، وتوفي بالمدينة عن أربع وتسعين سنة، وهو آخر من شهد بيعة العقبة موتاً، وآخر من مات بالمدينة من الصحابة.
ظليل الملائكة
ـــــــــــــــــ أبوه هو عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه، أحد الأنصار السبعين الذين بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم يوم بيعة العقبة الثانية، واختاره النبي صلى الله عليه وسلم نقيباً على قومه بني سلمة، وشهد بدراً وقاتل فيها قتال الأبطال، وفي غزوة أحد استبشر بالشهادة وأحس أنها محطته الأخيرة، فأسر إلى ابنه جابر فقال: إني لا أراني إلا مقتولاً في هذه الغزوة، بل لعلي سأكون أول شهدائها من المسلمين، وإني والله لا أدع أحداً بعدي أحب إلي منك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن علي ديناً، فاقضِ عني ديني، واستوص بإخوتك خيراً. صدق الله فصدقه ربه، وقاتل رضي الله عنه حتى ارتقى شهيداً مثخناً بالجراح، وذهب جابر يبحث عن أبيه، فوجده بين الشهداء، وقد مثل به المشركون كما فعلوا بغيره من شهداء المسلمين، ووقف جابر وبعض أهله يبكون شهيدهم، فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع صوت أخته تبكي، فقال لها: تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم جابراً مهموماً فقال: يا جابر، مالي أراك منكراً مهتماً؟، فيجيب: يا رسول الله، استشهد أبي، وترك عيالاً وعليه دين، فقال صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك أن الله كلم أباك كفاحاً، فقال: يا عبدي سلني أعطك، فقال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانياً، فقال الله له: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، فقال عبد الله: يا رب، أبلغ من ورائي، فأنزل الله تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون" ال عمران الاية 169 -170-171. وبعد مرور ست وأربعين سنة على دفنه، نزل سيل شديد غطى أرض القبور، فسارع المسلمون إلى نقل جثث الشهداء، وكان جابر لا يزال حياً، فذهب مع أهله لينقل رفات أبيه عبد الله بن عمرو ورفات زوج عمته عمرو بن الجموح، فوجدهما في قبرهما نائمين كأنهما ماتا بالأمس لم يتغيرا.
الوفاء لأبيه
ـــــــــــــ أحسن جابر تنفيذ وصية أبيه رضي الله عنهما، فكان أول ما فعله بعد دفن أبيه، أن جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أبي ترك ديناً عليه، وليس عندي ما أفيه به إلا ما يخرجه ثمر نخيله، ولو عمدت إلى وفاء دينه من ذلك لما أديته في سنين، ولا مال لأخواتي أنفق عليهن منه غير هذا، يقول جابر: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى معي إلى بيدر تمرنا وقال لي: أدع غُرماء أبيك فدعوتهم، فما زال يكيل لهم منه حتى أدى الله عن أبي دينه كله من تمر تلك السنة، ثم نظرت إلى البيدر فوجدته كما هو، كأنه لم تنقص منه تمرة واحدة.
وتزوج جابر امرأة ثيباً لتكون أماً لأخواته البنات، ويروي عن ذلك فيقول: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فلما أقبلنا تعجلت على بعير لي قطوف، فلحقني راكب خلفي فنخس بعيري بعنزة كانت معه فانطلق بعيري كأجود ما أنت راء من الإبل، فالتفتُ فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما يعجلك يا جابر؟، قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بعرس، فقال: أبكراً تزوجتها أم ثيباً؟، قلت: بل ثيباً، قال: هلا جارية تلاعبها وتلاعبك، قلت: إن لي أخوات فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن.
ظل جابر وفياً لوصية أبيه في أخواته، حريصاً عليهن حتى وهو يظن أنه مقبل على الموت، وقد صح أنه نزلت فيه وفيهم آية الكلالة، ويروي رضي الله عنه فيقول: اشتكيتُ وعندي تسع أخوات لي، فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم، فنفخ وجهي، فأفقتُ، وقلت: يا رسول الله، ألا أوصي لأخواتي بالثلث؟، قال: أحْسَنُ، قلت: الشطر؟، قال: أحْسَنُ. ثم خرج وتركني، ثم رجع إليّ فقال: يا جابر إني لا أُرَاكَ مَيتاً من وجعك هذا، وإن الله قد أنزل في الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين، فكان يقول: أنزلت هذه الآية في، ويقرأ: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ (النساء:176).
مواقف مشهودة
ــــــــــــــــــ وكان له الكثير من المواقف المشهودة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صح عنه أنه في يوم الخندق وكان الصحابة يحفرونه عرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال صلى الله عليه وسلم: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، وكانوا قد لبثوا ثلاثة أيام لم يذوقوا فيها ذواقاً، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب، فعاد كثيباً أهيل أو أهيم، يقول: ورأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصاً شديداً، فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت، فأذن له فانكفأ إلى امرأته فقال لها: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، ما كان في ذلك صبر، فهل عندك شيء؟، فأخرجت إليّ جراباً فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها، وطحنت الشعير ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه، يقول جابر: فجئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي قد كادت تنضج، فساررته فقلت: يا رسول الله طعيم لي، فقم أنت ورجل، قال: كم هو؟، قال جابر: ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعاً من شعير كان عندنا، قال: كثير طيب، ثم أوصاه فقال: قل لها لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التنور حتى آتي، وصاح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أهل الخندق، إن جابراً قد صنع سوراً فحي هلا بكم، فقام المهاجرون والأنصار، ومضى جابر إلى بيته ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس، فلما دخل جابر على امرأته قال: ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلتِ، قالت: هل سألك؟ فقال لها: نعم، فقال صلى الله عليه وسلم لمن معه: ادخلوا ولا تضاغطوا، فأخرجت امرأة جابر إلى النبي العجين واللحم فقال: ادع خابزة فلتخبز معي، واقدحي من برمتكم، ولا تنزلوها، فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا، يقول جابر: فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو، فقال صلى الله عليه وسلم لامرأة جابر: كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة.
الراوية الفقيه
ــــــــــــــــــ وكان رضي الله عنه من فقهاء الصحابة، وكانت له حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم فيها، عاش بعد عبد الله بن عمر أعواماً وتفرد بالإفتاء بالمدينة المنورة، وكان يقول لمن حوله: تعلموا العلم، ثم تعلموا الحلم، ثم تعلموا العلم، ثم تعلموا العمل بالعلم، ثم أبشروا. وكان من شدة تعلقه برواية الحديث يرحل إلى مكة وإلى كل مكان يسمع فيه ممن سمع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرة رحل إلى الشام ليسمع من صحابي حديث القصاص يقول: بلغني عن رجلٍ حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتريت بعيراً، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهراً، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟، قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثاً بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الناس يوم القيامة أو قال العباد عراة غرلاً بهماً، قال: قلنا: وما بهماً؟، قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد أحسبه قال كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الدّيان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله عز وجل عراة غرلاً بهماً؟، قال: بالحسنات والسيئات.
وكان رضي الله عنه من المكثرين في الرواية، وفي كتابه: أسماء الصحابة وما لكل واحد منهم من العدد وضعه ابن حزم الأندلسي رقم ستة في المكثرين من أصحاب الألوف، وذكر أن له ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعين حديثاً، وروى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، واتفق له الشيخان على ثمانية وخمسين حديثاً، وانفرد له البخاري بستة وعشرين حديثاً، وانفرد مسلم بمائة وستة وعشرين حديثاً.
روى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما روى عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن أنيس، وعمار بن ياسر، ومعاذ بن جبل، وأبي سعيد الخدري، وأبي عبيدة بن الجراح، وأبي قتادة الأنصاري، وأبي هريرة، وحدث عنه خلق كثيرون.
وعاش رضي الله عنه أربعاً وتسعين سنة، وكف بصره، وروى الواقدي عن أُبَيّ بن عباس، عن أبيه، قال: كنا بمنى، فجعلنا نخبر جابراً بما نرى من إظهار قطف الخزّ والوشي، يعني السلطان وما يصنعون، فقال: ليت سمعي قد ذهب، كما ذهب بصري، حتى لا أسمع من حديثهم شيئاً ولا أبصره، وكان آخر من مات بالمدينة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى عليه أبان بن عثمان وهو والي المدينة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق