رسالة عبد الحميد الكاتب هي دستور للسياسي والداعية والاعلامي وللكتاب
ــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي 13 -8-2017
مَررْت في قراءتي اليوم ، بنَصٍ طَالما بَهرني باسلُوبه وأخذ مجامع عقلي بفنونه، إذ هو من الأدَب في القمة، ومن الحِكمة في القمة، ومن السياسَة في القمة. قلت لنفسى، هذا المقال قد توجه به عبد الحميد بن يحي، كاتب مروان بن محمد الأموى، إلى كتاب العربية، فنظم فيه ملحمة في الخلق التي ينبغي أن يكون عليها الكاتب ليحظى بالإحترام، وتلقى كلماته آذاناً صاغية وقلوباً واعية. لكن وجدت أنّ النصّ يمكن أن يكون دستوراً للسياسيّ الذي يمارس العمل العام، والداعية الذي يمارس الدعوة لله، والإعلاميّ الذي يتوجه للناس بالحديث نيابة واصالة، في كلّ حين. ورأيت أن أنقلها بكاملها، بعد تقسيمها وتوجيه النَظر إلى حِكَمِها، ما يُسهّلُ قراءتها وفهمَ مقاصِدها، لتكون نبراساً للسياسيّ والإعلاميّ والدعويّ، وللكتّاب الذين أُنشِأ لهم النصّ بطبيعة الحال فمن هو عبد الحميد الكاتب . هو عبدالحميد بن يحيى بن سعيد مولى العلاء بن وهب القرشي ، ولد سنة 60، ونشأ في الشام، كان رئيس ديوان الإنشاء في عهد مروان بن محمد حتى أنه قتل معه سنة 132، في معركة أبو صير بمصر.وفيه قيل: "فتحت الرسائل بعبدالحميد وخُتمت بابن العميد" ....ارتقت على يديه صناعة الكتابة، فعدّ من أساتذة البلاغة العربية ورائد كتّاب الرسائل عامة وطور الرسائل بكثرة التحميدات في صدر الرسالة وبالتوسع في المعاني والعناية بترتيبها ووضوحها من أعلام الكتاب في القرن الثاني للهجرة، فارسي الأصل عربي الولاء. نشأ في الأنبار أو الشام على خلاف بين المؤرخين. وظهر في بداية أمره مساعدًا لصهره سالم صاحب ديوان الرسائل في عهد الخليفة هشام بن عبدالملك، ثم عمل بعد ذلك كاتبًا لمروان بن محمد والي أرمينيا وأذربيجان، ثم عمل أخيرًا كاتبًا أول للدولة الأموية على عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية. ولكنه قتل مع خليفته على يد العباسيين عندما تولوا الحكم.
اسلوبه
ـــــــ ارتقت على يديه صناعة الكتابة، فعدّ من أساتذة البلاغة العربية ورائد كتّاب الرسائل عامة وطور الرسائل بكثرة التحميدات في صدر الرسالة وبالتوسع في المعاني والعناية بترتيبها ووضوحها. اشتغل في دواوين الخلفاء
رسائله
ـــــــ له عدة رسائل ما بين مطوّلة ومختصرة، منها رسالة في الشطرنج ورسالته إلى الكتّاب ورسالته إلى أهله وهو منهزم مع مروان. وقد تأثر الكتّاب بأسلوبه الذي كان أول من أطال الرسائل وأكثر من التحميدات ومن اسلوبه:
- الازدواج، أي إيراد عبارات متعددة متقاربة في المعنى لتوكيد فكرته، ولإشاعة جو من التنغيم الموسيقي الجميل في كتاباته.
- الإطناب في رسائله
- الإطالة في تحميدات رسائله.
- الإكثار من الوصف بالحال
- قصر الفواصل على طريقة الخطابة.
- توسيع أغراض الرسائل، لتشمل بعض الأغراض التي كانت ـ قبله ـ خاصة بالشعر، مثل التعزية والتهنئة والنصح والوصف وغيرها.
وقد تأثر بهذه المدرسة عدد كبير من الكتاب الذين جاءوا بعده.
أهم رسائله
ــــــــــ
- رسالته إلى الكُتاب، وفيها يبدو تأثره بما أُثِرَ من وصايا ملوك الفرس لكتابهم،
- رسالته التي كتبها إلى عبدالله بن مروان على لسان أبيه،
- رسالته في وصف الصيد والشطرنج،
- رسالته إلى أهله وهو منهزم مع مروان بن محمد.
ومن اهم رسائله رسالته الى الكتاب وفيما يلي نص الرسالة
" أما بعدُ ، حفِظكمُ الله يا أهلَ هذه الصناعة، وحاطكْم ووفقكمْ وأرشدكمْ؛ فإن الله جلَّ وعزَّ، جعل الناسَ بعد الأنبياءِ والمرسلينَ - صلواتُ الله عليهم أجمعين – ومن بعدِ الملوكِ المُكَرَّمينَ سُوَقا، وصرَّفهم في صنوفِ الصناعاتِ التي سبَّب منها معَاشَهم، فجعلكم معشر الكتاب في أشرفِها صناعة، أهلَ الأدبِ والمروءةِ والحِلم ِوالرَّوِيَّة، وذوي الأخطار والهممِ وسَعَةَ الذَّرْعِ في الإفضال والصِّلة. بكم ينتظم الملكُ، وتستقيمُ للملوكِ أمورُهم، وبتدبيرِكم وسياستِكم يُصلحُ اللهُ سلطانَهم ويجتَمعُ فيهم ، وتعمرُ بلادُهم، يحتاجُ إليكمُ الملكُ في عظيمِ مُلكِه ،والوالي في القدر السَّنِيِّ والدنيِّ من وِلايتِه، لا يستغْنِي عنكم منهم أحد، ولا يوجدُ كافٍ إلا منكم ، فموقعُكم منهم موقعُ أسماعِهمُ التي بها يسمعون، وأبصارِهمُ التي بها يُبصرون، وألسنتِهمُ التي بها ينطِقون، وأيديهمُ التي بها يَبْطِشون، أنتم إذا آلتِ الأمورُ إلى مَوئِلها وصارت إلى محاصِلِها، ثقاتُهم دونَ أهليهِم وأولادِهم وقراباتِهم ونُصَحائِهم، فأمْتعَكُمُ اللهُ بما خصَّكمْ من فضل صناعتِكم، ولا نزعَ عنكمْ سِرْبالَ النعمةِ عليكم. وليس أحدٌ من أهل الصناعاتِ كلِّها أحوجَ إلى استخراج خلالِ الخيرِ المحمودةِ وخصالِ الفضلِ المذكورةِ المعدودةِ منكم أيها الكتابُ، إن كنتم على ما سبقَ به الكتابُ من صفتِكم؛ فإن الكاتبَ يحتاجُ من نفسه ويحتاجُ منه صاحِبُهُ الذي يثق به في مهمات أمورِه إلى أن يكونَ حليما في موضع الحِلم ، فقيها في موضع الحُكم، مقداما في موضع الإقدامِ ومحجما في موضع الإحجام، لينا في موضع اللين، شديدا في موضع الشدةِ، موثرا للعفاف والعدل والإنصافِ كتوما للأسرارِ، وفيّا عند الشدائدِ، عالما بما يأتي ويذرُ ويضعُ الأمورَ في مواضعِها. قد نظرَ في كل صِنفٍ من صنوف العلم فأحكمَه؛ فإن لم يحكمْهُ شدا منه شدوا يكتفي به، يكادُ يعرفُ بغزيرةِ عقلِه وحسنِ أدبِه وفضلِ تجرِبتِه ما يردُ عليه قبل ورودِه، وعاقبةَ ما يصدرُ عنه قبلَ صدورِه، فيُعِدّ لكلِّ أمرٍ عُدَّتَه ويهيئُ لكلِّ أمرٍ أُهْبَتَهُ. فنافسوا معشرَ الكُتَّابِ في صُنُوف العلمِ والأدبِ، وتفقَّهوا في الدين، وابدءوا بعلم كتاب الله – عزَّ وجلَّ – والفرائضِ، ثم العربيَّةِ فإنَّها ثِقَافُ ألسنتِكم، وأجيدوا الخطَّ فإنَّه حليةُ كتبِكم، وارْوُوا الأشعارَ واعْرِفوا غريبَها ومعانيَها، وأيَّامَ العربِ والعَجَمِ وأحاديثَها وسيَرَها؛ فإنَّ ذلك مُعِينٌ لكم على ما تَسْمُون إليه بهِمَمِكُم، ولا يضعُفَنَّ نظرُكم في الحساب فإنه قِوَامُ كتَّابِ الخَرَاجِ منكم ، وارغَبُوا بأنفسِكم عن المطامعِ سَنِيِّهَا ودَنِيِّهَا، ومسِاوئِ الأمورِ ومَحَاقِرها؛ فإنَّها مَذَلَّةٌ للرقاب، مَفْسَدَةٌ للكُتَّاب، ونزِّهوا صِنَاعَتَكم، وارْبَؤوا بأنفسكم عن السِّعاية والنميمة وما فيه أهلُ الدناءةِ والجهالةِ ، وإيَّاكم والْكِبْرّ والعظمةَ؛ فإنها عداوةٌ مُجْتَلَبَةٌ بغيرِ إِحْنَة، وتحابُّوا في الله – عز وجلَّ - في صناعتِكم، وتَوَاصَوْا عليها فإنها شيم أهل الفضلِ والنُّبْلِ من سَلَفِكم "
"وإن نبا الزمان برجلٍ منكم فاعطفوا عليه وآسوه حتى يرجِعَ إليه حَاله ويثوبَ إليه أمره، وإن أقعد أحداً منكم الكبر عن مكسبة ولقاء إخوانه فزوروه وعظّموه وشاوروه واستظْهروا بفضْلِ تجربته وقديمِ معرفته، وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ليوم حاجته إليه أحوط منه على ولده وأخيه، فإن عَرضَت في الشُغل مَحمَدة فلا يصِفها إلا إلى صاحبه، وإن عَرضَت مَذمة فليحمِلها هو من دونِه، وليحذر السَقطة والزلّة والمَلل عند تغير الحال، فإن العيب إليكم معشر الكتاب أسرَع منه إلى القرّاء وهو لكم أفسَد منه لهم، فقد علمتم أن الرجل منكم إذا صَحبه من يبذُل له من نفسِه ما يجب له عليه من حَقه فواجبٌ عليه أن يعتقد له من وفائِه وشكرِه واحتمالِه وخيره ونصيحته وكتمانُ سره وتدبيرُ أمرِه ما هو جزاءٌ لحقه ويصدِّق ذلك بفعالِه عند الحَاجة إليه والاضْطرار إلى ما لديه، فاستشعِروا ذلك وفقكم الله من أنفسكم في حالة الرخاء والشدة والحرمان والمؤاساة والإحسان والسراء والضراء فنعمت السيمة هذه من وسم بها من أهل هذه الصناعة الشريفة.
"وإذا ولِيَ الرجُل منكم أو صُيّر إليه من أمر خلق الله وعياله أمر فليراقب الله عز وجل وليؤثر طاعته وليكن على الضعيف رفيقاً، وللمظلوم منصفاً، فإن الخلق عيال الله وأحبهم إليه أرفقهم بعياله ثم ليكن بالعدل حاكما، وللأشراف مكرما، وللفيء موفرا، وللبلاد عامرا، وللرعية متألفا، وعن أذاهم متخلفا، وليكن في مجلسه متواضعا حليما، وفي سجلات خراجه واستقصاء حقوقه رفيقا، وإذا صَحبَ أحدكم رجلاً فليختبرَ خلائقه فإذا عرف حُسنها وقبحها أعانه على ما يوافقه من الحسن واحتال على صرفه عما يهواه من القبح بألطفِ حيلةً وأجمل وسيلة، وقد علمتم أن سائس البهيمة إذا كان بصيراً بسياستها التمس معرفة أخلاقها، فإن كانت رموحا لم يهجها إذا ركبها، وإن كانت شبوبا أتقاها من بين يديها، وإن خاف منها شرودا توقاها من ناحية رأسها، وإن كانت حروفا قمع برفق هواها في طرقها، فإن استمرت عطفها يسيرا فيسلس له قيادها. وفي هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس الناس وعاملهم وجربهم وداخلهم. "والكاتب بفضل أدبه وشَريف صَنعته ولطيفَ حيلته ومُعاملته لمن يحاوره من الناس ويناظره ويفهم عنه أو يخاف سطوته أولى بالرفق لصاحبه ومداراته وتقويم أوده من سائس البهيمة التي لا تحير جواباً ولا تعرف صواباً ولا تفهم خطاباً إلا بقدر ما يصيّرها إليه صاحبها الراكب عليها.
"ألا فارفقوا رحمكم الله في النظر، واعملوا ما أمكنكم فيه من الرواية والفكر تأمنوا بإذن الله ممن صحبتموه النَبْوَة والاستثقال والجَفوة، ويصير منكم إلى الموافقة وتصيروا منه إلى المؤاخاة والشفقة إن شاء الله، ولا يُجاوِزَن الرجل منكم في هيئة مجلسه وملبسه ومركبه ومطعمه ومشربه وبنائه وخدمه وغير ذلك من فنون أمره قدر حقه، فإنكم مع ما فضلكم الله به من شرف صنعتكم خَدَمَة لا تحْملون في خدمتكم على التقصير وحفظة لا تُحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير، واستعينوا على عَفافكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم وقصصته عليكم، واحذروا متالفَ السَرف وسوءَ عاقبة الترف فإنهما يُعقبان الفقر وُيذلان الرِقاب ويفضحان أهلهما، وسِيّمَا الكتابُ وأربابُ الآداب وللأمور أشباه، وبعضها دليل على بعض، فاستدلوا على مؤتنف أعمالكم بما سبقت إليه تجربتكم، ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجة وأصدقها حجة وأحمدها عاقبة، واعملوا أن للتدبير آفة متلفة وهو الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ علمه ورويته، فليقصِدُ الرجل منكم في مجلسه قصد الكافي من منطقه، وليوجز في ابتدائه وجوابه، وليأخذ بمجامع حججه فإن ذلك مصلحة لفعله ومدفعة للتشاغل عن إكثاره، وليضرع إلى الله في صلة توفيقه وإمداده بتسديده مخافة وقوعه في الغلط المضر ببدنه وعقله وأدبه، فإنه إن ظن منكم ظان أو قال قائل إن الذي برز من جميل صنعته وقوة حركته إنما هو بفضل حيلته وحسن تدبيره فقد تعرض بظنه أو مقالته إلى أن يكله الله عز وجل إلى نفسه فيصير منها إلى غير كاف، وذلك على من تأمله غير خاف.
"ولا يقل أحد منكم إنه أبْصرُ بالأمور وأحَمَل لعبء التدبير من مُرافقه في صناعته ومُصاحِبه في خدمتِه، فإن أعقلَ الرجلين عند ذوي الألباب من رَمى بالعُجْبِ وراء ظهره، ورأى أنّ أصْحابه أعقلَ منه وأحمَدَ في طريقته، وعلى كل واحد من الفريقين أن يعرف فضل نعم الله جل ثناؤه من غير اغترار برأيه ولا تزكية لنفسه، ولا يكاثر على أخيه أو نظيره وصاحبه وعشيره، وحمد الله واجب على الجميع وذلك بالتواضع لعظمته والتذلل لعزته والتحدث بنعمته.
"وأنا أقول في كتابي هذا ما سبق به المثل مَنْ تُلزِمُه النصيحة يَلزَمُه العمل وهو جوهر هذا الكتاب وغرة كلامه بعد الذي فيه من ذكر الله عز وجل فلذلك جعلته آخره وتتمته به تولانا الله وإياكم يا معشر الطلبة والكتبة بما يتولى به من سبق علمه بإسعاده وإرشاده فإن ذلك إليه وبيده." المصادر... صبح الاعشى ... مقدمة ابن خلدون ... كتاب الوزراء والكتاب
ــــــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي 13 -8-2017
مَررْت في قراءتي اليوم ، بنَصٍ طَالما بَهرني باسلُوبه وأخذ مجامع عقلي بفنونه، إذ هو من الأدَب في القمة، ومن الحِكمة في القمة، ومن السياسَة في القمة. قلت لنفسى، هذا المقال قد توجه به عبد الحميد بن يحي، كاتب مروان بن محمد الأموى، إلى كتاب العربية، فنظم فيه ملحمة في الخلق التي ينبغي أن يكون عليها الكاتب ليحظى بالإحترام، وتلقى كلماته آذاناً صاغية وقلوباً واعية. لكن وجدت أنّ النصّ يمكن أن يكون دستوراً للسياسيّ الذي يمارس العمل العام، والداعية الذي يمارس الدعوة لله، والإعلاميّ الذي يتوجه للناس بالحديث نيابة واصالة، في كلّ حين. ورأيت أن أنقلها بكاملها، بعد تقسيمها وتوجيه النَظر إلى حِكَمِها، ما يُسهّلُ قراءتها وفهمَ مقاصِدها، لتكون نبراساً للسياسيّ والإعلاميّ والدعويّ، وللكتّاب الذين أُنشِأ لهم النصّ بطبيعة الحال فمن هو عبد الحميد الكاتب . هو عبدالحميد بن يحيى بن سعيد مولى العلاء بن وهب القرشي ، ولد سنة 60، ونشأ في الشام، كان رئيس ديوان الإنشاء في عهد مروان بن محمد حتى أنه قتل معه سنة 132، في معركة أبو صير بمصر.وفيه قيل: "فتحت الرسائل بعبدالحميد وخُتمت بابن العميد" ....ارتقت على يديه صناعة الكتابة، فعدّ من أساتذة البلاغة العربية ورائد كتّاب الرسائل عامة وطور الرسائل بكثرة التحميدات في صدر الرسالة وبالتوسع في المعاني والعناية بترتيبها ووضوحها من أعلام الكتاب في القرن الثاني للهجرة، فارسي الأصل عربي الولاء. نشأ في الأنبار أو الشام على خلاف بين المؤرخين. وظهر في بداية أمره مساعدًا لصهره سالم صاحب ديوان الرسائل في عهد الخليفة هشام بن عبدالملك، ثم عمل بعد ذلك كاتبًا لمروان بن محمد والي أرمينيا وأذربيجان، ثم عمل أخيرًا كاتبًا أول للدولة الأموية على عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية. ولكنه قتل مع خليفته على يد العباسيين عندما تولوا الحكم.
اسلوبه
ـــــــ ارتقت على يديه صناعة الكتابة، فعدّ من أساتذة البلاغة العربية ورائد كتّاب الرسائل عامة وطور الرسائل بكثرة التحميدات في صدر الرسالة وبالتوسع في المعاني والعناية بترتيبها ووضوحها. اشتغل في دواوين الخلفاء
رسائله
ـــــــ له عدة رسائل ما بين مطوّلة ومختصرة، منها رسالة في الشطرنج ورسالته إلى الكتّاب ورسالته إلى أهله وهو منهزم مع مروان. وقد تأثر الكتّاب بأسلوبه الذي كان أول من أطال الرسائل وأكثر من التحميدات ومن اسلوبه:
- الازدواج، أي إيراد عبارات متعددة متقاربة في المعنى لتوكيد فكرته، ولإشاعة جو من التنغيم الموسيقي الجميل في كتاباته.
- الإطناب في رسائله
- الإطالة في تحميدات رسائله.
- الإكثار من الوصف بالحال
- قصر الفواصل على طريقة الخطابة.
- توسيع أغراض الرسائل، لتشمل بعض الأغراض التي كانت ـ قبله ـ خاصة بالشعر، مثل التعزية والتهنئة والنصح والوصف وغيرها.
وقد تأثر بهذه المدرسة عدد كبير من الكتاب الذين جاءوا بعده.
أهم رسائله
ــــــــــ
- رسالته إلى الكُتاب، وفيها يبدو تأثره بما أُثِرَ من وصايا ملوك الفرس لكتابهم،
- رسالته التي كتبها إلى عبدالله بن مروان على لسان أبيه،
- رسالته في وصف الصيد والشطرنج،
- رسالته إلى أهله وهو منهزم مع مروان بن محمد.
ومن اهم رسائله رسالته الى الكتاب وفيما يلي نص الرسالة
" أما بعدُ ، حفِظكمُ الله يا أهلَ هذه الصناعة، وحاطكْم ووفقكمْ وأرشدكمْ؛ فإن الله جلَّ وعزَّ، جعل الناسَ بعد الأنبياءِ والمرسلينَ - صلواتُ الله عليهم أجمعين – ومن بعدِ الملوكِ المُكَرَّمينَ سُوَقا، وصرَّفهم في صنوفِ الصناعاتِ التي سبَّب منها معَاشَهم، فجعلكم معشر الكتاب في أشرفِها صناعة، أهلَ الأدبِ والمروءةِ والحِلم ِوالرَّوِيَّة، وذوي الأخطار والهممِ وسَعَةَ الذَّرْعِ في الإفضال والصِّلة. بكم ينتظم الملكُ، وتستقيمُ للملوكِ أمورُهم، وبتدبيرِكم وسياستِكم يُصلحُ اللهُ سلطانَهم ويجتَمعُ فيهم ، وتعمرُ بلادُهم، يحتاجُ إليكمُ الملكُ في عظيمِ مُلكِه ،والوالي في القدر السَّنِيِّ والدنيِّ من وِلايتِه، لا يستغْنِي عنكم منهم أحد، ولا يوجدُ كافٍ إلا منكم ، فموقعُكم منهم موقعُ أسماعِهمُ التي بها يسمعون، وأبصارِهمُ التي بها يُبصرون، وألسنتِهمُ التي بها ينطِقون، وأيديهمُ التي بها يَبْطِشون، أنتم إذا آلتِ الأمورُ إلى مَوئِلها وصارت إلى محاصِلِها، ثقاتُهم دونَ أهليهِم وأولادِهم وقراباتِهم ونُصَحائِهم، فأمْتعَكُمُ اللهُ بما خصَّكمْ من فضل صناعتِكم، ولا نزعَ عنكمْ سِرْبالَ النعمةِ عليكم. وليس أحدٌ من أهل الصناعاتِ كلِّها أحوجَ إلى استخراج خلالِ الخيرِ المحمودةِ وخصالِ الفضلِ المذكورةِ المعدودةِ منكم أيها الكتابُ، إن كنتم على ما سبقَ به الكتابُ من صفتِكم؛ فإن الكاتبَ يحتاجُ من نفسه ويحتاجُ منه صاحِبُهُ الذي يثق به في مهمات أمورِه إلى أن يكونَ حليما في موضع الحِلم ، فقيها في موضع الحُكم، مقداما في موضع الإقدامِ ومحجما في موضع الإحجام، لينا في موضع اللين، شديدا في موضع الشدةِ، موثرا للعفاف والعدل والإنصافِ كتوما للأسرارِ، وفيّا عند الشدائدِ، عالما بما يأتي ويذرُ ويضعُ الأمورَ في مواضعِها. قد نظرَ في كل صِنفٍ من صنوف العلم فأحكمَه؛ فإن لم يحكمْهُ شدا منه شدوا يكتفي به، يكادُ يعرفُ بغزيرةِ عقلِه وحسنِ أدبِه وفضلِ تجرِبتِه ما يردُ عليه قبل ورودِه، وعاقبةَ ما يصدرُ عنه قبلَ صدورِه، فيُعِدّ لكلِّ أمرٍ عُدَّتَه ويهيئُ لكلِّ أمرٍ أُهْبَتَهُ. فنافسوا معشرَ الكُتَّابِ في صُنُوف العلمِ والأدبِ، وتفقَّهوا في الدين، وابدءوا بعلم كتاب الله – عزَّ وجلَّ – والفرائضِ، ثم العربيَّةِ فإنَّها ثِقَافُ ألسنتِكم، وأجيدوا الخطَّ فإنَّه حليةُ كتبِكم، وارْوُوا الأشعارَ واعْرِفوا غريبَها ومعانيَها، وأيَّامَ العربِ والعَجَمِ وأحاديثَها وسيَرَها؛ فإنَّ ذلك مُعِينٌ لكم على ما تَسْمُون إليه بهِمَمِكُم، ولا يضعُفَنَّ نظرُكم في الحساب فإنه قِوَامُ كتَّابِ الخَرَاجِ منكم ، وارغَبُوا بأنفسِكم عن المطامعِ سَنِيِّهَا ودَنِيِّهَا، ومسِاوئِ الأمورِ ومَحَاقِرها؛ فإنَّها مَذَلَّةٌ للرقاب، مَفْسَدَةٌ للكُتَّاب، ونزِّهوا صِنَاعَتَكم، وارْبَؤوا بأنفسكم عن السِّعاية والنميمة وما فيه أهلُ الدناءةِ والجهالةِ ، وإيَّاكم والْكِبْرّ والعظمةَ؛ فإنها عداوةٌ مُجْتَلَبَةٌ بغيرِ إِحْنَة، وتحابُّوا في الله – عز وجلَّ - في صناعتِكم، وتَوَاصَوْا عليها فإنها شيم أهل الفضلِ والنُّبْلِ من سَلَفِكم "
"وإن نبا الزمان برجلٍ منكم فاعطفوا عليه وآسوه حتى يرجِعَ إليه حَاله ويثوبَ إليه أمره، وإن أقعد أحداً منكم الكبر عن مكسبة ولقاء إخوانه فزوروه وعظّموه وشاوروه واستظْهروا بفضْلِ تجربته وقديمِ معرفته، وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ليوم حاجته إليه أحوط منه على ولده وأخيه، فإن عَرضَت في الشُغل مَحمَدة فلا يصِفها إلا إلى صاحبه، وإن عَرضَت مَذمة فليحمِلها هو من دونِه، وليحذر السَقطة والزلّة والمَلل عند تغير الحال، فإن العيب إليكم معشر الكتاب أسرَع منه إلى القرّاء وهو لكم أفسَد منه لهم، فقد علمتم أن الرجل منكم إذا صَحبه من يبذُل له من نفسِه ما يجب له عليه من حَقه فواجبٌ عليه أن يعتقد له من وفائِه وشكرِه واحتمالِه وخيره ونصيحته وكتمانُ سره وتدبيرُ أمرِه ما هو جزاءٌ لحقه ويصدِّق ذلك بفعالِه عند الحَاجة إليه والاضْطرار إلى ما لديه، فاستشعِروا ذلك وفقكم الله من أنفسكم في حالة الرخاء والشدة والحرمان والمؤاساة والإحسان والسراء والضراء فنعمت السيمة هذه من وسم بها من أهل هذه الصناعة الشريفة.
"وإذا ولِيَ الرجُل منكم أو صُيّر إليه من أمر خلق الله وعياله أمر فليراقب الله عز وجل وليؤثر طاعته وليكن على الضعيف رفيقاً، وللمظلوم منصفاً، فإن الخلق عيال الله وأحبهم إليه أرفقهم بعياله ثم ليكن بالعدل حاكما، وللأشراف مكرما، وللفيء موفرا، وللبلاد عامرا، وللرعية متألفا، وعن أذاهم متخلفا، وليكن في مجلسه متواضعا حليما، وفي سجلات خراجه واستقصاء حقوقه رفيقا، وإذا صَحبَ أحدكم رجلاً فليختبرَ خلائقه فإذا عرف حُسنها وقبحها أعانه على ما يوافقه من الحسن واحتال على صرفه عما يهواه من القبح بألطفِ حيلةً وأجمل وسيلة، وقد علمتم أن سائس البهيمة إذا كان بصيراً بسياستها التمس معرفة أخلاقها، فإن كانت رموحا لم يهجها إذا ركبها، وإن كانت شبوبا أتقاها من بين يديها، وإن خاف منها شرودا توقاها من ناحية رأسها، وإن كانت حروفا قمع برفق هواها في طرقها، فإن استمرت عطفها يسيرا فيسلس له قيادها. وفي هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس الناس وعاملهم وجربهم وداخلهم. "والكاتب بفضل أدبه وشَريف صَنعته ولطيفَ حيلته ومُعاملته لمن يحاوره من الناس ويناظره ويفهم عنه أو يخاف سطوته أولى بالرفق لصاحبه ومداراته وتقويم أوده من سائس البهيمة التي لا تحير جواباً ولا تعرف صواباً ولا تفهم خطاباً إلا بقدر ما يصيّرها إليه صاحبها الراكب عليها.
"ألا فارفقوا رحمكم الله في النظر، واعملوا ما أمكنكم فيه من الرواية والفكر تأمنوا بإذن الله ممن صحبتموه النَبْوَة والاستثقال والجَفوة، ويصير منكم إلى الموافقة وتصيروا منه إلى المؤاخاة والشفقة إن شاء الله، ولا يُجاوِزَن الرجل منكم في هيئة مجلسه وملبسه ومركبه ومطعمه ومشربه وبنائه وخدمه وغير ذلك من فنون أمره قدر حقه، فإنكم مع ما فضلكم الله به من شرف صنعتكم خَدَمَة لا تحْملون في خدمتكم على التقصير وحفظة لا تُحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير، واستعينوا على عَفافكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم وقصصته عليكم، واحذروا متالفَ السَرف وسوءَ عاقبة الترف فإنهما يُعقبان الفقر وُيذلان الرِقاب ويفضحان أهلهما، وسِيّمَا الكتابُ وأربابُ الآداب وللأمور أشباه، وبعضها دليل على بعض، فاستدلوا على مؤتنف أعمالكم بما سبقت إليه تجربتكم، ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجة وأصدقها حجة وأحمدها عاقبة، واعملوا أن للتدبير آفة متلفة وهو الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ علمه ورويته، فليقصِدُ الرجل منكم في مجلسه قصد الكافي من منطقه، وليوجز في ابتدائه وجوابه، وليأخذ بمجامع حججه فإن ذلك مصلحة لفعله ومدفعة للتشاغل عن إكثاره، وليضرع إلى الله في صلة توفيقه وإمداده بتسديده مخافة وقوعه في الغلط المضر ببدنه وعقله وأدبه، فإنه إن ظن منكم ظان أو قال قائل إن الذي برز من جميل صنعته وقوة حركته إنما هو بفضل حيلته وحسن تدبيره فقد تعرض بظنه أو مقالته إلى أن يكله الله عز وجل إلى نفسه فيصير منها إلى غير كاف، وذلك على من تأمله غير خاف.
"ولا يقل أحد منكم إنه أبْصرُ بالأمور وأحَمَل لعبء التدبير من مُرافقه في صناعته ومُصاحِبه في خدمتِه، فإن أعقلَ الرجلين عند ذوي الألباب من رَمى بالعُجْبِ وراء ظهره، ورأى أنّ أصْحابه أعقلَ منه وأحمَدَ في طريقته، وعلى كل واحد من الفريقين أن يعرف فضل نعم الله جل ثناؤه من غير اغترار برأيه ولا تزكية لنفسه، ولا يكاثر على أخيه أو نظيره وصاحبه وعشيره، وحمد الله واجب على الجميع وذلك بالتواضع لعظمته والتذلل لعزته والتحدث بنعمته.
"وأنا أقول في كتابي هذا ما سبق به المثل مَنْ تُلزِمُه النصيحة يَلزَمُه العمل وهو جوهر هذا الكتاب وغرة كلامه بعد الذي فيه من ذكر الله عز وجل فلذلك جعلته آخره وتتمته به تولانا الله وإياكم يا معشر الطلبة والكتبة بما يتولى به من سبق علمه بإسعاده وإرشاده فإن ذلك إليه وبيده." المصادر... صبح الاعشى ... مقدمة ابن خلدون ... كتاب الوزراء والكتاب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق