الثلاثاء، 4 يوليو 2017

أحداث فاصلة في تاريخ/بقلم الكاتب الاديب الراقي/الشاعر المبدع د. صالح العطوان الحيالي 23. 6.2017

أحداث فاصلة في تاريخ الأندلس لابد أن تعرفها
ــــــــــــــــــــــ د. صالح العطوان الحيالي 23. 6.2017
إن ما بين فتح الأندلس وسقوطها لآيات وعبرًا ينبغي للمسلم أن يتأملها، بل أن يدرسها ويعي ما تحويه من دروس،وفي هذه المقالة نسرد قصة هذا الفتح العظيم، ومتتبعين الأسباب التي أدت لنجاحه، وأيضًا أسباب هذا الازدهار المبهر الذي حظيت به هذه الدولة العظيمة، خاتمين بأسباب الهزيمة والسقوط، لعله يكون فيها العبرة والعظة.
معركة وادي لكا:
------- يوم الأحد 28 رمضان 92هـ/19 يوليو 711م، ودامت ثمانية أيام كانت توجد هناك قرية صغيرة أطلق عليها المسلمون اسم لكة أو لكا. وبما أن المعركة دارت في كل تلك المنطقة السهلية، فقد أطلق عليها المؤرخون أسماء متعددة؛ فهي معركة شذونة عند بعضهم، ومعركة البحيرة عند آخرين، ومعركة وادي بارباط أو معركة وادي لكة عند غيرهم. ومهما تعددت التسميات فإن الذي يهمنا هو أن انتصار المسلمين فيها كان من أهم الانتصارات التي حققوها في فتوحاتهم، إذ تعد الحد الفاصل بين مقاومة القوط وتوسع الفتوحات الإسلامية. وقد أصبحت المقاومة بعدها ضعيفة، وأصبح الطريق معبداً أمام المسلمين، ليس في الأندلس فقط، بل بدأوا يتطلعون إلى بلاد الفرنجة، ما وراء جبال البرانس.
ومن هذا الفتح، يتبادر إلي الأذهان سؤال في غاية الأهمية، هل الإسلام قادر علي إقامة حياة حياتية راقية؟! لن أحكم أنا ولن تحكم أنت، لنري بأنفسنا في نفس المكان الذي تم فتحه
دعنا نتحدث قليلاً عن مدينتي قرطبة عام (350 هـ)، وفاس عام (600) في ظلال الحكم الإسلامي في دولة الأندلس.
مدينة قرطبة:
---------- بها 28 ضاحية، كانت تسمي جوهرة العالم، بها مسجد قرطبة، قنطرة قرطبة، جامعة قرطبة، شوارعها مرصوفة، مضاءة ليلا، وبها أسواق متخصصة، كان بها 50 مستشفى أي قبل باريس ب 700 سنة! وكان بها 300 مسجد، هل تتصورون حجمها؟؟
مهما تحدثت لن أوفي ولن تتخيلوا، لكن دعونا نري معاً مشهد يبين لنا ولو جزءًا ضئيلًا من تلك العظمة
بعث ملك إنجلترا رسالة إلي هشام بن عبدالرحمن الثاني يرجوه فيها أن يعلم ابنته مجموعة من علماء إنجلترا في جامعة قرطبة ومضي في نهاية الرسالة ” خادمكم المطيع ملك إنجلترا”
يا لله! لقد تبدل الوضع الآن تمامًا، لأننا أصبحنا لهم تابعين نقلدهم في كل شيء ابتغينا العزة في غير الإسلام فأذلنا الله
مدينة فاس عام 600 هـ:
-------- كانت من المدن الصناعية الأولي في العالم، ولكي تتخيل ما أعنيه ذلك فيجب أن تعرف أن مدينة فاس كان بها:
300 مصنع لنسج الثياب
47 مصنع صابون
116 دار للطباعة
86 مصنع لدبغ الجلود
135 مصنع جير للطلاء
400 مصنع للورق
188 مصنع للفخار
200 مكتبة
“استطاع الإسلام وهو الدين الوحيد الذي استطاع ذلك، الجمع بين الدين والدنيا، علوم الشرع وعلوم الحياة، بناء الإنسان وبناء المصانع، المادة والروح، سعادة الدنيا وسعادة الآخرة”
ان فتح الأندلس من أعظم فتوحات المسلمين عبر التاريخ، وكانت بداياته معلمًا من معالم الحضارة في الإنسانية بصورة عامة والإسلام فيما بعد بصورة خاصة، حيث غير هذا الفتح وجه العالم، وكان بذرة لنقلات حضارية أحدث تغييرات جذرية على الكرة الأرضية، سواء أكان ذلك في العلوم أم الآداب أم المعمار؛ وهذا لأن طريق العالم كله اختلف بعد فتح الأندلس الذي يمثل أكثر الأماكن التي انتشرت فيها الحركة العلمية الإسلامية، وظهر فيها علماء في كل مجالات الشريعة والحياة، مثل الزهراوي، وابن رشد، وعلماء آخرون في الجغرافيا، والفلك، والهندسة. فكل هذه العلوم نمت في الأندلس بشكل بارز جدًّا، وانتقلت من الأندلس إلى أوروبا، وعلى أكتاف هذه العلوم قامت الحضارة الأوروبية الحديثة في القرنين: السادس والسابع عشر. لقد علم المسلمون في الأندلس الأوروبيين مبادئ السلوك الراقي، ويكفي أن الأوروبيين الموجودين في شمال إسبانيا قبل دخول الإسلام كانوا لا يغتسلون إلا مرة أو اثنتين في السنة، لا يغتسل ويعتبر ذلك من البركة! إلى أن وجد المسلم يتوضأ خمس مرات في اليوم ويغتسل في مناسبات عديدة تبلغ أكثر من 18 غُسلاً. انتقلت هذه النظافة إلى أوروبا وغيرت سلوكيات الأوروبيين، كما انتقل التعامل بالرحمة بين أفراد الأسرة إلى أوروبا، وبدأت الأسرة الأوروبية تتأثر بالجو الإسلامي، وحتى النظام والإضاءة في الشوارع ونظام الري والصرف في الزراعة. انتقلت الحياة اليومية للمسلمين إلى أوروبا بعد دخول الإسلام لأرض الأندلس. تغيرت قصة الأندلس بعد دخول الإسلام، فأصبح الأندلس بلدًا راقيًا متحضِّرًا، وبعد حوالي مائتي سنة أصبح الأندلس الدولة الأولى في العالم في عهد عبد الرحمن الناصر -رحمه الله- والذي أعلن الخلافة الأموية في الأندلس، وأصبح أعظم ملوك أوروبا في القرون الوسطى بلا منازع لدرجة أن الإسبان سنة 1961م احتفلوا بمرور ألف سنة على وفاته اعترافًا بفضله على الحضارة الإسبانية والأوربية. ولكن كالعادة، لكل شيء إذا ما تم نقصان، وحينما أخذ المسلمون بأسباب الرفعة والنهضة والانتصار كانوا في مقدمة الأمم، وحينما تناسوا أسباب القوة، ومعالم العظمة تضعضع ملكهم، وزالت سطوتهم، وأبدلهم الله من بعد عزهم ذلاً ومن بعد قوتهم ضعفًا، ومن بعد نصرهم هزيمة، فنزعت مهابتهم من قلوب أعدائهم، وأصابهم الوهن، وزال ملكهم عن مملكة الأندلس، وعادت إسبانيا من جديد ترضخ تحت حكم النصارى وتحكمهم واضطهادهم، حتى أبادوا من فيها من المسلمين، بل ومارسوا أبشع الوسائل في قتلهم وتعذيبهم والتنكيل بكبيرهم وصغيرهم، حتى ضرب المثل بمحاكم التفتيش الصليبية في الأندلس على البشاعة والدموية.
معركة الزلاقة: 479 هـ:
------------- ظلّت الأندلس فترة من الزمان تحت حكم الخلافة الأموية منذ أن فتحها المسلمون في عهد الوليد بن عبد الملك، وبعد سقوط دولة الأمويين أسس عبد الرحمن الداخل خلافة أموية بالأندلس استمرت قرابة ثلاثة قرون، ثم انقسمت إلى دويلات وأقاليم صغيرة، وانفرد كل حاكم بإقليم منها، فيما عرف بعد ذلك بعصر ملوك الطوائف، وانشغل الحكام بعضهم ببعض، واشتعلت بينهم النزاعات والخلافات، مما أغرى بهم عدوّهم من الإسبان النصارى الذين كانوا يتربصون بهم الدوائر.
فسقطت طليطلة التي كان يحكمها بنو ذي النون في يد ألفونسو النصراني ملك “قشتالة”، بعد أن خذلها ملوك الطوائف ولم يهبّوا لنصرتها بسبب خوفهم من ألفونسو، وبسبب المعاهدات التي أبرموها معه، حتى وصل الحال ببعضهم إلى أن يدفع له الجزية، مقابل أن يكف اليد عنه وعن بلاده.
وفي الوقت الذي كان فيه ملوك الطوائف منقسمون على أنفسهم، يتآمر كل واحد منهم ضد الآخر، ويستعين بالنصارى ضد إخوانه من أجل الحفاظ على ملكه وسلطانه، كان النصارى قد بدأوا في توحيد صفوفهم والاجتماع على كلمة سواء، من أجل هدف واحد وهو القضاء على الوجود الإسلامي في بلاد الأندلس .
“يا الله يستعينون بالنصارى علي إخوانهم المسلمين لأجل شيء هو حتما زائل”
وكان المعتمد قد عزم على الاستعانة بدولة المرابطين وأميرها يوسف بن تاشفين لمواجهة ألفونسو، فاجتمع بأمراء الطوائف وعرض عليهم الأمر، ولكنهم أبدوا تخوفهم من أن يسيطر “ابن تاشفين” على بلاده وينفرد بالسلطان دونه، فقالوا له: ” المُلْك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غِمْد واحد “، وقال له ولده:
” يا أبت أتُدخِل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا، ويبدّد شملنا”، فقال المعتمد: ” أي بني والله لا يسمع عني أبدًا أني أعدت الأندلس دار كفر ولا تركتها للنصارى فتقوم اللعنة عليّ في الإسلام مثلما قامت على غيري ” ، وقال : “يا قوم إني من أمري على حالتين: حالة يقين وحالة شك ولا بد لي من إحداهما، أما حالة الشك: فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش فيمكن أن يفي لي ويبقى على وفائه، ويمكن ألا يفعل، فهذه حالة شك، وأما حالة اليقين: فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله، وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت الله تعالى، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه ؟! ” ثم قال كلمته المشهورة التي سجلها التاريخ :
” رعي الجمال عندي- والله- خير من رعي الخنازير”
فأجاب ابن تاشفين النداء وقال: ” أنا أول منتدِب لنصرة هذا الدين” ، وعبر البحر في جيش عظيم، ولما علم ألفونسو بتحرك ابن تاشفين كتب إليه يهدّده ويتوعّده، فرد عليه ابن تاشفين بقوله: “الذي يكون ستراه “.فلما عاد الكتاب إلى ألفونسو ارتاع لكلامه، فزاد استعداداً وتأهّباً، حتى رأى في منامه كأنه راكبٌ فيلا، وبين يديه طبلٌ صغير، وهو ينقر فيه، فقصّ رؤياه على القسيسين، فلم يعرف تأويلها أحد، فأحضر رجلاً مسلماً، عالماً بتعبير الرؤيا، فقصّها عليه، فاستعفاه من تعبيرها، فلم يعفه، فقال :” تأويل هذه الرؤيا من كتاب الله العزيز، وهو قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ}، وقوله تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴿8﴾ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴿9﴾ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } ، ويقتضي هلاك هذا الجيش الذي تجمعه “. فلما كان يوم الجمعة في العشر الأول من رمضان سنة 479 هـ تأهّب المسلمون لصلاة الجمعة، وخرج ابن تاشفين هو وأصحابه في ثياب الزينة للصلاة، أما المعتمد فقد أخذ بالحزم خشية غدر الرجل، فركب هو وأصحابه مسلحين وقال لأمير المسلمين ابن تاشفين: ” صلِّ في أصحابك، وأنا من ورائكم وما أظن هذا الخنزير إلا قد أضمر الفتك بالمسلمين “، فأخذوا في الصلاة فلما عقدوا الركعة الأولى ثارت في وجوههم الخيل من جهة النصار ، وحمل ألفونسو لعنة الله في أصحابه يظنّ أنه انتهز الفرصة، وإذا بالمعتمد وأصحابه من وراء الناس يصدّون هجوم النصارى، وأخذ المرابطون سلاحهم وركبوا خيولهم، واختلط الفريقان، وأظهر المعتمد وأصحابه من الصبر والثبات وحسن البلاء الشيء العظيم، فقاتل بنفسه في مقدّمة الصفوف، وأُثخن بالجراح، وهلك تحته ثلاثة أفراس كلما هلك جواد قدموا له غيره، وقاتل المسلمون قتال من يطلب الشهادة ويتمنى الموت، حتى هزم الله العدو، وأتبعهم المسلمون يقتلونهم في كل اتجاه، ونجا ألفونسو في نفر من أصحابه عند حلول الظلام، بعد أن أصابته طعنة في فخذه. فهزمه الله شر هزيمة وأعز جنده المؤمنين في هذه المعركة، وكُتبت للأندلس بسببها حياة جديدة امتدت أربعة قرون أخرى، بعد أن كانت على موعد مع الفناء والاستئصال.
وكان هذا لأنهم أخذوا بالأسباب وأخلصوا النية لله تعالي وكان رضي الله والجنة هو هدفهم.
معركة الأرك جمادى الثانية 591 هـ:
-------------- لعل معركة الأرك 1195م الشهيرة كانت آخر بصيصٍ في الشمس الإسلامية بأرض الأندلس، فبعدها لم ينتصر المسلمون في معركة كبيرة أبدًا، حتى تم طردهم بشكل نهائي وإنهاء معالم الدين الإسلامي ومظاهره في الأندلس.
معركة بلاط الشهداء:
----------- التقى الجيشان؛ خمسون ألفًا من المسلمين أمام أربعمائة ألف استطاع “شارل مارتل” تجميعهم من كل شيء طالته يداه؛ فمحاربون ومرتزقة، وفرنجة وهمج قادمون من الشمال، وأمراء وعامة وعبيد، واندلع القتال بين الجيشين لمدَّة تسعة أيام لا غالب ولا مغلوب. حتى إذا كان اليوم العاشر، حمل المسلمون على الفرنج حتى كادوا ينتصرون إلاَّ أن فرقة من فرسان الفرنجة استطاعت أن تنفذ إلى معسكر الغنائم في خلف الجيش الإسلامي، وهنا صاح الصائح ينادي على الغنائم، فقفلت فرقة من الفرسان في قلب الجيش الإسلامي إلى الخلف مدافعة عن الغنائم، فاهتزَّ قلب الجيش الإسلامي، ثم اهتزَّ وضع الجيش جميعه مع هذه الحركة المفاجئة، وما كان عبد الرحمن الغافقي –رحمه الله- ينادي على الناس ويحاول تجميعهم من جديد حتى أصابه سهم ألقاه من على فرسه شهيدًا، فصارت الطامَّة طامتان: ارتباك حركة الجيش، واستشهاد القائد العظيم. وكان قائد المعركة الأخيرة عبد الرحمن الغافقي آخر مسلم قاد جيشًا إسلاميًّا منظمًا لاجتياز جبال البرانس، ولفتح فرنسا، وللتوغُّل -بعد ذلك- في قلب أوربا. وهُزِمَ الغافقي.. سقط شهيدًا في ساحة بلاط الشهداء إحدى معارك التاريخ الخالدة الفاصلة.. وتداعت أحلام المسلمين في فتح أوربا، وطَوَوا صفحتهم في هذا الطريق.. وكان ذلك للسبب نفسه الذي استفتحنا به دروس الهزيمة.. أعني بسبب الغنيمة. ومنذ تمَّ الاستقرار في المغرب العربي، وإسبانيا الإسلامية، وهم يطمحون إلى اجتياز جبال البرانس وفَتْح ما وراءها، هكذا أراد موسى بن نصير، لكن الخليفة الوليد بن عبد الملك خشي أن يُغَامِر بالمسلمين في طريق مجهولة، ثم فكَّر على نحو جدي السمحُ بن مالك الخولاني والي الأندلس ما بين عامي 100-102هـ، وتقدَّم فاستولى على ولاية سبتمانيا إحدى المناطق الساحلية المطلَّة على البحر الأبيض المتوسط جنوب فرنسا، وعبر -بذلك- السَّمْح جبال البرانس، وتقدَّم فنزل في أرض فرنسا مُنعطِفًا نحو الغرب؛ حيث مجرى نهر الجارون، مُستوليًا في طريقه على ما يقابله من البلدان، حتى وصل إلى تولوز -في جنوب فرنسا- لكنه لم يستطع أن يستقرَّ فيها، وقُتِلَ السَّمْحُ، وتراجعت فلول جيشه تحت قيادة أحد قواده عبد الرحمن الغافقي فكأن السَّمْح لم ينجح إلاَّ في الاستيلاء على سبتمانيا»
النصر القاتل
------ ربما يبدو هذا العنوان غريبًا على البعض؛ لكنه في الحقيقة كان ما أثبته الواقع وشهد به التاريخ، ولقد فطن إلى هذا المعنى بعض المنصفين من مؤرخي أوربا، قال أناتول فرانس:
“إن أهم تاريخ في حياة فرنسا هو معركة بواتيه -بلاط الشهداء- حين هَزَم شارل مارتل الفرسان العرب -المسلمين- في بواتيه سنة 732م، ففي ذلك التاريخ بدأ تراجع الحضارة العربية أمام الهمجية والبربرية الأوربية بين التاريخ والواقع”
-الملاحظ أن المسلمين قد اغترُّوا بهذه الدنيا التي فُتحت عليهم فتنافسوها؛ ففي الحديث عن عمرو بن عوف الأنصاري أن رسول الله قال:
«فَوَاللهِ! مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»
فسُنَّة الله في خلقه أنه إن فُتِحَت الدنيا على الصالحين؛ فاغترُّوا بها وتنافسوا فيها؛ فإنها ستُهلكهم لا محالة كما أهلكت مَنْ كان قبلهم
-أمر آخر كان في جيش المسلمين وكان من عوامل الهزيمة؛ وهو العنصرية والعصبيَّة القَبَلِيَّة، التي كانت بين العرب والأمازيغ (البربر) في هذه بلاط الشهداء، ولقد شاهد الفرنسيون أثر هذه العصبية ووَعَته كتبهم، وظلَّ في ذاكرتهم على مدار التاريخ
معركة العقاب 15 صفر 609هـ:
-------- لقد شهدت بلاد الأندلس العديد من المعارك الحاسمة والتاريخية في مصير دولة الإسلام في الأندلس، والتي كانت بمثابة النقاط الفاصلة في حياة الأمة، وإن كانت معارك مثل وادي لكة وبلاط الشهداء وبرشلونة وفتح جليقية والزلاقة والأرك سببًا لتدعيم مكانة الدولة وزيادة قوتها، فإن معركة العقاب كانت فاتحة الانهيار الشامل لقواعد الأندلس الكبرى
فبعد الانتصار الباهر الذي حققه الموحدون حكام الأندلس والمغرب على صليـبي الأندلس في معركة الأرك سنة 591هـ، ركن الصليبيون للمهادنة انتظارًا للفرصة السانحة للوثوب مرة أخرى، وكان ألفونسو الثامن منذ هزيمة الأرك الساحقة يتوق إلى الانتقام لهزيمته وغسل عارها الذي جلل سيرته وفترة حكمه، فلما اشتعلت ثورة «بني غانية» وهم من أولياء دولة المرابطين التي كانت تحكم الأندلس والمغرب قبل الموحدين، في شرق الأندلس وشمال إفريقيا انشغل زعيم الموحدين «الناصر لدين الله» بقمع هذه الثورة، وذلك منذ سنة 595هـ حتى سنة 607هـ، وهي السنة التي قرر فيها ألفونسو الثامن الهجوم على الأندلس مرة أخرى.
بدأ ألفونسو الثامن حملته الصليبية على الأندلس بإزالة الخلافات العميقة بين ممالك إسبانيا النصرانية الثلاثة (قشتالة ـ ليون ـ أراجون) والتي كانت سببًا مباشرًا لهزيمة الصليبيين المدوية في معركة الأرك سنة 591هـ، ثم قام ألفونسو الثامن بطلب المعونة والمباركة من بابا روما، وهو البابا «إنوصان الثالث» وكان يضطرم بروح صليبية عميقة ويجيش بأحقاد عظيمة تجاه المسلمين الذين أفشلوا الحملات الصليبية على الشام وحرروا القدس، فوافق البابا على ذلك الطلب وأعلن شن حرب صليبية ضد مسلمي الأندلس، بعدها بدأت التحرشات الإسبانية.
“ونلاحظ أنه لطالما كان تفرقنا وتنازعنا علي الدنيا سببًا لهزيمتهم ومحفزًا لهم علي توحيد صفوفهم “
وصلت الجيوش الموحدية لإشبيلية في آخر ذي الحجة سنة 607هـ، وهناك انضم إليه أعداد كبيرة من جنود الأندلس وأصبحت الجيوش في حالة تعبئة كاملة، وحدد الناصر هدف الهجوم. وهو قلعة شلبطرة في جبال الشارات «سييرامورنيا الآن»، وكانت هذه القلعة بيد فرسان المعبد الصليبي، وكانت نقطة إغارة دائمة للصليبيين على المدن الإسلامية بالأندلس، فطوق الموحدون القلعة وضربوها بالمجانيق حتى فتحوها بعد 51 يومًا من الحصار.
كان لفتح هذه القلعة أثر شديد في قلوب الصليبيين خصوصًا ألفونسو الثامن للأهمية الكبيرة لهذه القلعة، فقرر الهجوم على قلعة رباح وكانت نظيرة قلعة شلبطرة في الأهمية والمكانة عند المسلمين، وقد انضم لألفونسو آلاف المتطوعين من فرنسا وألمانيا وهولندا وإنجلترا ومجموعة كبيرة من الأساقفة والرهبان، إضافة للفرسان الأسبتارية والداوية الذين انتقلوا من الشام إلى الأندلس لحرب المسلمين، وأمر البابا إنوصان الثالث في روما بالصوم ثلاثة أيام التماسًا لانتصار الجيوش الصليبية على مسلمي الأندلس، وأقيمت الصلوات العامة وعمد الرهبان والراهبات إلى ارتداء السواد والسير حفاة في مواكب دينية بخضوع وتمهل ومن كنيسة إلى أخرى، وجاشت نفوس الأوربيين كافة بروح صليبية عارمة.
هجم الصليبيون بشدة على قلعة رباح وشددوا عليها الحصار حتى أجبروا حاميتها الصغيرة على الاستسلام نظير الأمان، وقد أدى هذا الأمان لغضب الصليبيين الفرنجة الذين جاءوا من أوروبا الذين أرادوا ذبح الحامية الإسلامية ورفض أي تسوية سلمية تحقن دم المسلمين، وتنامى هذا الغضب حتى انشق كثير منهم وتركوا ألفونسو الثامن وعادوا إلى بلادهم.
استعد الفريقان للصدام المرعب وكان الناصر الموحدي مزهوًا بنفسه واثقًا من النصر لحد الغرور المهلك نظرًا لضخامة الجيوش الموحدية «قرابة النصف مليون»، وكانت ثنية العقاب عند سفح جبال الشارات بالقرب من «مدريد» حاليًا هي موضع القتال الذي اندلع في 15 صفر سنة 609هـ، وهجم الموحدون بكل قوتهم على صفوف الصليبيين الذين صمدوا بروعة لهجوم الموحدين، ثم أخذوا في التراجع والانهزام أمام الموحدين، وبدا النصر قريبًا، ولكن كان الهجوم الخاطف الذي قاده ألفونسو الثامن بنفسه على ميمنة الموحدين ثم تلاه هجوم مماثل على ميسرة الموحدين قام به ملك أراجون، فاضطرب جناحا الجيش الإسلامي واختلطت صفوفهم، وعندها قام الأندلسيون بتنفيذ خطتهم في الفرار من أرض المعركة، وحاول الناصر الموحدي عبثًا تنظيم صفوف جيشه ولكنه فشل وكاد أن يقتل هو نفسه، وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة للموحدين قتل فيها عشرات الآلاف، منهم معظم المتطوعين من المغاربة وقبائل العرب.
وكانت هذه الهزيمة الساحقة أول مسمار في عرش دولة الموحدين الكبيرة وإيذانًا بانهيار مملكتهم الواسعة وحول ميزان القوى بالأندلس لصالح الإسبان، وقد عم الابتهاج والفرح في أنحاء أوروبا وأقيمت صلوات شكر مخصوصة قام بها إنوصان الثالث بنفسه.
الأخطاء والعوامل التي أدت للسقوط والانهيار:
----------------
-لا بأس من الاستعانة بالنصارى على قتال المسلمين المجاورين في سبيل استعادة العرش، مع الخطأ العقائدي القاتل في هذا الأمر، إلا أنه في سبيل هذان يتوجب عليك تسليم مدينة أو ما يشترطون.
وفي سلسلة من الحوادث المؤسفة، كان السلطان أبو الحجاج يوسف يقف للصلاة في عيد الفطر، فاخترق الصفوف رجل من عامة الناس، وصار يطعنه بالخنجر حتى فاضت روحه البريئة 1354م. بموته انقطعت الصلات الوثيقة بين أهل غرناطة وحلفائهم المسلمين في البلاد الأخرى، ولم تزد العلاقات أكثر من التهنئة بالأعياد أو التعزية في مصاب.
-وأهم ما ساهم في رسم بداية الفصل المأساوي الأخير، وغروب شمس الإسلام من بلاد الأندلس، أن وقع الملك أبو عبد الله محمد أسيرًا في يد القشتاليين. وكان ضعيف الهمة، كلما أهمه هو الخروج من الأسر، واستعادة العرش مهما كانت الوسائل، وأيًا كان من يساعده. فهم أعداؤه هذا جيدًا فاحتفظوا به كورقة رابحة تستخدم من حينٍ لآخر، ولم يكفوا عن تقديم الوعود ذات البريق الزائف. واستطاعوا أن يُعيدوا تشكيل أفكار ذلك الملك الضعيف، وأقنعوه أن قشتالة هي أم الدنيا، والرابح من يسعى لإرضاء فرناندو وإيزابيلا. هذا بالطبع لمن أراد الدُنيا فسعى لها. وأصبح الملك مهيأً لفعل ما يطلبونه، مهما كان فيه من تفريطٍ في ما هو من واجب الدين، وما لا ينبغي على مسلمٍ تركه أبدًا.
وهذا تحديدًا ما كانت الملكة عائشة تخشى حدوثه، أن يقع ابنها تحت تأثير النصارى، ونفوذهم. ولعلها كانت تدرك عاقبة هذا الأمر في تبديل دين المرء فإنه مما روِي عن سفيان الثَّوري:
“لما التقى يوسف ويعقوب عليهما السلام عانق كل واحد منهما صاحبه وبكى. فقال يوسف: يا أبت بكيت عليَّ حتَّى ذهب بَصرك. ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟! قال يعقوب: بلى يا بني. ولكن خشيت أن يُسلَب دينك، فيُحال بيني وبينك”
ولم يعلم كثيرٌ من الناس أن الملك قد خرج من أسره ضعيفًا مُتهالكًا، باع للعدو كل شيء مقابل العرش. فكان:
-يعترف بالطاعة والتبعية للتاج الإسباني.
-يدفع جزية سنوية قدرها 12 ألف دوبل من الذهب.
-يفرج عن أربعمائة أسير من أسرى النصارى.
-يقدم ولده الأكبر وأبناء بعض الأمراء رهينةً للوفاء.
-وظل يدعو الناس لمهادنة النصارى والتصالح معهم، من أجل العيش في سلام ورخاء!.
-ثم كان توقيع معاهدة التسليم بين جانب قشتالي قوي متشدد، وجانب غرناطي ضعيفٌ متهالك عام 1491م_897هـ
وكانت مليئة بالبنود المهينة، التي تضمن كل القوة للقشتالين، ولا تضمن شيئًا للمسلمين، اللهم إلا أن يظلوا مسلمين، ولا يحق لنصراني أن يدخل دور عبادتهم ويقتحمها، ومن يفعل يعاقب، وألا يكون لغير المسلمين سلطة أو ولاية عليهم!
وكعادة كل المعاهدات التي يصر حكامنا عليها، لم ينفذ فيها إلا ما يضمن للقشتاليين، مطامعهم. فخرقوها من أول يوم دخلوا فيه غرناطة، حيث أقاموا القداس في جامع غرناطة الكبير. ثم توالت الانتهاكات حتى صدر مرسومٌ بطرد المسلمين من الأندلس وإلقائهم على شواطئ المغرب.
-المشكلة أن المسلمين لم يكونوا مجبرين على التسليم أبدًا، وقد كان بإمكان المسلمين المقاومة ورد النصارى. ما نعرفه يقينًا أن الملك ومن معه من الوزراء كانوا أحد العوامل الرئيسية في تسليم غرناطة. ولعل النقطة الوحيدة التي تُحسب له أن رفض التنصير جملة وتفصيلًا، رغم كل ما فرط فيه، ورفضه الاستماع لمن نادى بالمقاومة والشهادة وعدم الموافقة على التسليم. ولو كان أخذ هذا الموقف الشجاع لوجد معه شعبًا عظيمًا يؤثر الشهادة على التسليم.
وهذا حال المعاهدات دائمًا وأبدًا، حكامنا يسلمون أراضينا، من أجل السلام والرخاء. ثم، لا سلام، ولا رخاء، بل مزيدٌ من الشقاء، والتبعية. وما معاهدة كامب ديفيد ببعيد، بل إنا نتجرع مُر السلام هذا كل آن.
ولا يزال ملوك بني الأحمر يحكمون البلاد الإسلامية، بأحقادهم وحرصهم على الملك والعرش، ويلعبون بمستقبل البلاد والعباد، والقشتاليون يكسبون في كل يوم أراضٍ جديدة. لم يعد أمام المسلمين من سبيل إلا واحدة واضحة، يجب التخلص من حكم بني الأحمر في كل بلاد المسلمين، ويجب القضاء على دول الطوائف التي زخر بها عالم المسلمين اليوم والجهاد طريقٌ إلى الجنة أو إلى حياة كريمة عزيزة أبية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق